العراق اليوم

ألمانيا في مواجهة خيارات سياسية واقتصادية صعبة مع نهاية ولاية المستشارة انجيلا ميركل

مصدر الخبر / الاخبار

المقدمة
افرزت انتخابات مجلس النواب الفيدرالي الالماني (Deutscher Bundestag) للدورة العشرين التي انجزت بنجاح قبل بضعة ايام (26 ايلول / سبتمبر 2021) وبمشاركة انتخابية عالية (76.6%) خارطة سياسية جديدة أبرزها الخسارة التاريخية لحزب المستشارة انجيلا ميركل، الاتحاد المسيحي الديمقراطي(CDU)  المتحالف تاريخيا مع حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي  (CSU).  وبذلك أصبح امر تشكيل حكومة المانية مستقرة جديدة أكثر صعوبة من سابقتها والتي استغرقت حوالي 6 أشهر مما قد يؤثر سلبا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الداخلي وكذلك على موقع المانيا في الاقتصاد الدولي وثقلها في الساحة السياسية الدولية.
قاد الحملة الانتخابية للتحالف المسيحي هذه المرة كخلف للمستشارة ميركل رئيس الحزب الجديد السياسي ارمين لاشيت  (Armin Laschet)الذي انتخب في بداية هذا العام بعد صراعات طويلة داخل التحالف المسيحي على خلافة ميركل.  وعلى عكس الدورات الانتخابية الاربعة الماضية حل التحالف المسيحي في المرتبة الثانية بنسبة تمثيل 24,1% في البرلمان الجديد وبذلك يكون قد فقد حوالي 9 % من اصوات الناخبين بالمقارنة مع نتائج انتخابات عام 2017.
هذه النتيجة توقعها العديد من المراقبين وتقارير استطلاعات الرأي تثير عددا من التساؤلات حول احتماليات تأثيرها السلبي على الاستقرار السياسي المعهود في البلاد وبالتالي على مسار الاقتصاد الالماني وموقعه في الاتحاد الاوربي والاقتصاد الدولي.
سنحاول في هذه الورقة تحليل اسباب هذه التغيرات ومدى كونها تمثل انعكاسات لتغيرات هيكلية على واقع الارض في الاقتصاد والمجتمع الالماني وطبيعة التحديات التي تواجه تشكيل حكومة جديدة مع وجود تناقضات جوهرية في برامج الاحزاب التي نجحت في الدخول الى البرلمان الاتحادي، والتي من الممكن ان تؤثر على موقع المانيا التنافسي في الساحة الدولية، وكذلك طبيعة التغيرات الديموغرافية والثقافية الحاصلة خلال العقود الثلاثة الماضية بعد اعادة وحدة المانيا في 2 أكتوبر 1990.  كما سنحاول تحليل العلاقة بين النظام الانتخابي الالماني كإطار قانوني لتنظيم العملية السياسية الديمقراطية وممارسات الاحزاب المشاركة في العملية السياسية في تمثيل مصالح منتخبيها الاقتصادية الفئوية ومدى تضاربها او موائمتها مع المصالح الاقتصادية العليا للبلاد ومن ثم سنحاول اجراء مقارنات اولية مع النظام الانتخابي في العراق وممارسات الاحزاب المشاركة في العملية السياسية بهدف الاستفادة من تجارب الامم المتقدمة.
ملامح النظام السياسي والانتخابي الالماني
المانيا جمهورية اتحادية تأسست بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1949 كنظام سياسي فيدرالي برلماني كما هو الحال في العراق.  وبعد التوحيد مع المانيا الديمقراطية السابقة في عام 1990 ارتفع عدد الولايات الى 16 ولاية اتحادية تملك كل واحدة منها سلطة تشريعية وتنفيذية خاصة بها ولكن السلطة القضائية موحدة في كل البلاد.  تجرى انتخابات مجلس النواب الاتحادي (Bundestag) كل اربعة سنوات ويتمخض عنها تشكيل الحكومة من قبل الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد النيابية كعرف سياسي باعتبار ان هذا الحزب مكلف من الناخبين وليس من قبل رئيس الجمهورية كما هو الحال في الدستور العراقي.  وهذا لا يمنع من الناحية النظرية ان يتولى الحزب الذي يأتي في المرتبة الثانية ويتمكن من تشكيل الحكومة في حالة نجاحه تشكيل تحالف مع الاحزاب الاخرى يضم 50% زائد واحد من اعضاء البرلمان الجديد.  كما يمكن للحزب الذي جاء في المرتبة الثانية ان يشكل حكومة متحالفة جديدة خلال الدورة الانتخابية في حالة سحب الثقة من رئيس الوزراء (المستشار او المستشارة) المنتخب في بداية الدورة. 
على عكس ممارسات الاحزاب والكتل الانتخابية في العراق، جرت العادة في المانيا ان تعلن الاحزاب الكبرى المشاركة في الانتخابات عن مرشحها لرئاسة الوزراء (المستشارية) قبل موعد الانتخابات بأشهر عديدة لإعطاء الفرصة للمواطنين للتعرف على مؤهلات المرشح السياسية والمهنية لقيادة البلاد في الاربع سنوات القادمة.  ومن ثم تجري خلال الحملة الانتخابية المنافسة بين الاحزاب على تجاوز العتبة الانتخابية (5%) من الاصوات والحصول على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان، وبنفس الوقت المنافسة بين المرشحين لمنصب رئاسة الوزراء.  وجرت العادة في جميع الدورات الانتخابية السابقة ان يقدم أكبر الحزبين المتنافسين تاريخيا وهما التحالف المسيحي (CDU+CSU)  والحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPD)  مرشحيهما لهذا المنصب.  ولكن ولأول مرة في تاريخ المانيا الحديث بعد الحرب العالمية الثانية أعلن حزب الخضر عن ترشيح رئيسته الشابة (مواليد عام 1980) (انالينا بيربوك Annalena) لمنصب المستشارة خلفا لميركل.  وكما جرت العادة، أعلن الحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPD) في وقت مبكر من هذا العام عن مرشحه وهو وزير المالية الحالي في حكومة ميركل الائتلافية القيادي في حزبه اولاف شولتز (Olaf Scholz) والذي ارتبط اسمه ببرنامج بازوكا لانعاش الاقتصادي الالماني من حالة الانكماش بسبب جاحة كورونا..وفي وقت متأخر نسبيا أعلن التحالف المسيحي عن مرشحه رئيس الحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (CDU) ارمين لاشيت  (Armin Laschet) لمنصب المستشار وبعد صراع شديد في العلن مع رئيس الحزب البافاري الشقيق الاتحاد المسيحي الاجتماعي (CSU) السيد ماركوس سودر(Markus Söder) 
النظام الانتخابي المعتمد في جمهورية المانيا الاتحادية، منذ تأسيسها، يجمع بين التمثيل النسبي للأحزاب المشاركة وفق قاعدة سانت ليغو باعتبار البلد دائرة انتخابية واحدة ونظام التمثيل المباشر على اساس الدوائر الانتخابية المتعددة والتي يبلغ عددها 299 دائرة.  تم تحديد العدد الكلي لمقاعد البرلمان الالماني بموجب القانون بواقع 598 يتقسم بالتساوي على تمثيل القوائم الحزبية والدوائر الانتخابية بواقع 299 لكل منهما، مما يعني وجود دوائر انتخابية بنفس العدد وبغض النظر عن عدد الاحزاب المشاركة في العملية الانتخابية.  بالمقارنة مع النظام الانتخابي في العراق يتسم النظام المزدوج بدرجة عالية من التمثيل الديمقراطي للمواطنين بالرغم من انه يبدو معقدا بعض الشيء لغير المختصين في النظم الانتخابية.  اتذكر ان رئيس مفوضية الانتخابات الاول في العراق السيد عادل اللامي اقترح هذا النظام المزدوج بصيغة معدلة لانتخابات 2018  الماضية ولكنه لم يجد اذانًا صاغية من الاحزاب التقليدية.  ثم جاءت مطالبات حركة احتجاجات تشرين 2019 لتغير النظام الانتخابي من القوائم الحزبية الى الدوائر الانتخابية المتعددة من دون دراسة تجارب المانيا الانتخابية الناجحة.

[1]  ترجمةالاعلام العربي (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) غير دقيقة بالرغم من ان تاريخ هذاالحزب يعود بالفعل الى عهد الاشتراكية الديمقراطية في القرن التاسع عشر. 

يتم احتساب وتوزيع عدد المقاعد في البرلمان الالماني على اربعة مراحل وفق عدد السكان في كل ولاية ومن ثم توزع على الاحزاب وفق تمثيلهم النسبي في البرلمان (الصوت الثاني) وفي حالة حصول الحزب على عدد أكثر من اعضائه المنتخبين بشكل مباشر (الصوت الاول) يزداد عدد المقاعد التي يفوز بها الحزب وبذلك يتغير عدد مقاعد البرلمان مع كل دورة انتخابية.  لقد ارتفع عدد المقاعد من 709 في الدورة السابقة الى 735 في الدورة الحالية بسبب ارتفاع عدد النواب المنتخبين بشكل مباشر من دوائرهم الانتخابية. وكما تم الاشارة اليه فإن الناخب لديه صوتين: الاول للانتخاب المباشر لمرشح الدائرة الانتخابية والثاني للحزب والقائمة التي يتصدرها الزعيم المرشح لمنصب رئاسة الوزراء.  وهذا يعني ان النظام يسمح لمرشح الدائرة الانتخابية الفوز المباشر بمقعد في البرلمان بالرغم من عدم ادراج حزبه اسم هذا المرشح على قائمته الانتخابية ايضا في حالة فشل حزبه تجاوز العتبة الانتخابية (5%) والبقاء خارج البرلمان. ومن جانب اخر يسمح للحزب الذي يفوز بثلاثة مقاعد من خلال الانتخاب المباشرة على الاقل بالدخول الى البرلمان بالرغم من فشلعه في تجاوز العتبة الانتخابية وهذا ما حصل بالفعل مع حزب اليسار في هذه الانتخابات والذي حصل على نسبة 4.9 % وثلاثة مقاعد مباشرة (انظر الجدول في الاسفل)
نظرة عامة على نتائج انتخابات 2021 
شارك في انتخابات هذه الدورة العشرين للبرلمان الاتحادي 40 حزب، نجحت سبعة احزاب فقط في الدخول الى المجلس النيابي كما مبين في الجدول التالي.  تصدَّر الحزب الاجتماعي الديمقراطي نتائج الانتخابات بنسبة تمثيل تبلغ 25.7 % وبأكبر عدد من المقاعد الانتخابية بلغت 206 من مجموع 735 مقعد.  وبالرغم من كونه متقدمًا على منافسيه فلا بد وان يشكل ائتلافًا مع احزاب اخرى لتشكيل الحكومة الجديدة بقيادة زعيمه اولاف شولتز.  ولكن خياراته محدودة جدا بسبب تغير الخارطة السياسية.  ينظر الى هذ الحزب الاقدم من بين الاحزاب الالمانية والذي تأسس في عام 1890 بأنه يمثل مصالح نقابات العمال والشرائح الكادحة في المجتمع الالماني بناءً على تاريخه النضالي الطويل، حيث كان جزأً من الحركات العمالية الاشتراكية المناهضة لرأسمالية مانشستر المتوحشة في القرن التاسع عشر والتي يمكن تشبيهها بالرأسمالية المهيمنة في القرن الواحد والعشرين في بنغلادش وبلدان اخرى في العالم.  وبعد تجربته الفاشلة في الحكم خلال جمهورية فايمر بعد الحرب العالمية الاولى(1918 – 1933 )  وذهابه الى المنفى خلال فترة النظام النازي الهتلري، اعاد تنظيم نفسه بعد التحرير من الفاشية بقيادة الزعيم التاريخي الراحل فيلي براند (Willy Brandt 1913-1992) وشارك في عملية البناء السياسي والاقتصادي لألمانيا الفدرالية الجديدة (الغربية سابقا) على اساس دستورها الديمقراطي الجديد ونظام اقتصاد السوق الاجتماعي، مما يعني انه كان طرفا في المصالحة التاريخية بين الحركات العمالية المتمثلة في التنظيمات النقابية القوية مع ارباب العمل الرأسماليين والذين تمثلهم الاحزاب المنافسة وهما التحالف المسيحي وحزب الاحرار الديمقراطي(FDP) 

احزاب اخرى فشلت في تجاوز العتبة باستثناء كوتة الاقلية الدنماركية في ولاية شليزفيغ هولشتاين شمال المانيا 8.7% 1
المصدر:Der Bundeswahlleiter 
https://www.bundeswahlleiter.de/bundestagswahlen/2021/ergebnisse/bund-99.html
الخارطة السياسية في المانيا الاتحادية (الغربية سابقا) بعد الحرب العالمية الثانية اقتصرت حتى عام 1983 على ثلاثة احزاب فقط وهي التحالف المسيحي والحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الاحرار الديمقراطي والتي يمكن تسميتها بالأحزاب التقليدية.  ولكن حركات الاحتجاجات الطلابية في عام 1968 افرزت مجموعات وتيارات يسارية مختلفة تبلورت فيما بعد بتأسيس حزب الخضر في عام 1980 المتبني لقضايا حماية البيئة والعدالة الاجتماعية.  نجح هذا الحزب في تخطي العتبة الانتخابية والدخول الى مجلس النواب في عام 1983 ولكنه خسر انتخابات 1990 على إثر الوحدة الالمانية.  الا ان الحزب عاد الى التمثيل في البرلمان بعد انتخابات 1994 وشارك في الحكم بالتحالف مع الحزب الاجتماعي الديمقراطي خلال الفترة 1998-2005 تحت قيادة المستشار السابق لميركل وزعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي جيرهارد شرودر (Gerhard Schroeder). 
بعد الوحدة الالمانية في عام 1990 تسارعت وتيرة التغيرات في الخارطة السياسية كانعكاس للمعطيات السوسيو اقتصادية الجديدة والتي افرزت قوى سياسية جديدة تمثل تيارات يسارية وقومية يمينة متطرفة.  حزب اليسار تأسس في عام 2005 ونجح في تجاوز العتبة الانتخابية والتمثيل في البرلمان كخامس حزب أعلن عن توجهاته الاشتراكية الديمقراطية المناهضة للرأسمالية.  اما الحزب السادس الممثل في البرلمان الالماني فهو حزب البديل من اجل المانيا ذو التوجهات القومية اليمنية المتطرفة المعادية للمهاجرين بشكل عام وللمسلمين بشكل خاص ويعارض ايضا الاندماج في الاتحاد الاوربي.  تأسس هذا الحزب في عام 2013 ونجح في الدخول الى البرلمان الفيدرالي في انتخابات عام 2017 وبنسبة 12.6% مستفيدا من تذمر شرائح اجتماعية واسعة من موجة اللاجئين الذي دخلوا الى المانيا في عام 2015 بأعداد كبيرة وصلت الى حوالي مليون شخص وبموافقة المستشارة ميركل. وهذا تسبب بمشاكل تنظيمية ولوجستية في استيعاب هذا العدد الكبير من اللاجئين مرة واحدة واثار انتقادات قاسية للمستشارة من قبل حليفها البافاري الاتحاد المسيحي الاجتماعي بقيادة رئيسه السابق ووزير الداخلية هورست سيهوفر (Horst Seehofer) وكذلك من قبل الجناح اليميني في حزبها وبطبيعة الحال من قبل حزب البديل من اجل المانيا الذي يضم في صفوفه عناصر واسعة من النازيين الجدد تمارس العنف ضد من يختلف فكريا معها.  كل هذه العوامل اجبرت المستشارة ميركل على الانسحاب من قيادة الحزب واتخاذ قرارها النهائي بعدم الترشيح مجددا “لولاية” خامسة في انتخابات 2021 مما فتح الابواب للصراع على خلافتها داخل التحالف المسيحي، وهذا يفسر أحد الاسباب الرئيسية لخسارة حزبها الكبيرة في هذه الانتخابات.
مواضيع التنافس الانتخابي وبرامج الاحزاب الاقتصادية 
تصدرت قائمة مواضيع التنافس البرامج الاقتصادية للأحزاب الرئيسية المشاركة في الانتخابات وشملت القضايا الاساسية التالية:
1.قضايا المناخ والبيئة وكيفية مؤامتها مع متطلبات الصناعة الوطنية والنمو الاقتصادي للحفاظ على مستويات التشغيل للقوى العاملة وعدم المساس بالرفاه والسلم المجتمعي، فضلا عن كيفية تمويل برامج تخفيض انبعاث ثاني اوكسيد الكربون وتمويل الاستثمارات المطلوبة لتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى لتسريع علمية التحول نحو استخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035.  باستثناء حزب البديل فقد تبنت جميع الاحزاب في برامجها هدف الحد من تدهور المناخ والبيئة ولكنها اختلفت حول الوسائل وطرق التمويل لتحقيق الهدف.  
2.قضايا تحديث الصناعات الوطنية وبقية القطاعات الاقتصادية ومن خلال تسريع عملية رقمنة الاقتصاد ودعم الابتكارات التكنولوجية في قطاع المعلوماتية والذكاء الاصطناعي وكذلك في مجال الصناعات الصديقة للبيئة بهدف التحول نحو الاقتصاد الاخضر الذي يوفق بين حماية المناخ والبيئة من جانب والحفاظ على مستويات معيشة ورفاهية المواطنين من جانب اخر.  وهنا تتفق جميع الاحزاب على هذا الهدف وتتنافس على تحقيقه ولو اختلفت حول الوسائل والطرق في تحقيق الهدف.
3.قضايا المالية العامة والسياسة المالية وبالأخص الخلاقات العميقة حول السياسة الضرائبية والدين العام وهي ليس بالقضية الجديدة ولكن وفي اعقاب ازمة كورنا وتداعياتها على الاقتصاد الالماني اشتد الصراع حول هذه القضية بين فريقين من الاحزاب في هذه الدورة الانتخابية.  الفريق الاول يضم التحالف المسيحي وحزب الاحرار الديمقراطي وينظر اليهما كمدافعين عن مصالح الشركات الكبرى وارباب العمل والطبقات الغنية في المجتمع.  يتبنى هذا الفريق تخفيض الضرائب على ذوي الدخول العالية بحجة تحفيزهم على الاستثمار وتوليد فرص عمل جديدة وزيادة التحصيل الضرائبي لتمويل مشاريع تحديث الصناعة والاقتصاد وتعوّل على مساهمة القطاع الخاص في تطوير البنية التحتية.  كما يتبنى الحزبان سياسية مالية محافظة من خلال ترشد الانفاق وتتجنب الاقتراض بهدف تحقيق موازنة صفرية وفق وصفات مدرسة اللبرالية الجديدة.  في المقابل، يتبنى الفريق الاخر المتكون من الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار سياسة مالية توسعية وفق نهج المدرسة الكينزية لتمويل برامج ومشاريع التحول نحو الطاقة المتجددة ورقمنة الاقتصاد وفق سياسة مالية في اتجاهين: الاول رفع الضرائب على الطبقات الغنية، والثاني الاقتراض الداخلي لتمويل حزم تنشيط الدورة الاقتصادية كما حصل في العام الماضي للتصدي لتداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد الوطني وبتوافق حزبي الائتلاف الحكومي (التحالف المسيحي بقيادة ميركل والحزب الاجتماعي الديمقراطي بقيادة وزير المالية اولاف شولتز)، وتم اقتراض ما يربو على 400 مليار يورو لتمويل برنامج البازوكا لانعاش الاقتصاد الذي اعلن عنه وزير المالية.  وعلى هذا الاساس يرفض قائد الحزب الاجتماعي الديمقراطي والمرشح لمنصب المستشارية اولاف شولتز مطالبات الفريق الاول بتخفيض الضرائب ويتساءل كيف سنتمكن من خفض الضرائب ولدينا ارتفاع في حجم الدين العام بهذا المقدار؟
4.قضايا العدالة الاجتماعية وفي مقدمتها مطالبة الحزب الاجتماعي الديمقراطي بزيادة الحد الادنى لأجور العمال الحالي من 9.6 يورو الى 12 يورو في الساعة والمطالبة بتحسين نظام الضمان الاجتماعي ورفع الحد الادنى من رواتب التقاعد وعدم رفع سن الاحالة على التقاعد عن المستوى الحالي (65 سنة).  كما تطالب الاحزاب الاخرى الكبيرة بحل ازمة السكن والحد من ارتفاع مستويات الايجار في المدن ولكنها تختلف في اختيار الوسائل والآليات.  فالحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الخضر وحزب اليسار يطالبون بتدخل الدولة في سوق العقار وتحديد سقوف لمستويات الايجار كما يطالبون بتوفير السكن بأسعار ملائمة لذوي الدخل المحدود من خلال بناء مجمعات سكنية عامة.  في المقابل يقترح التحالف المسيحي وحزب الاحرار الديمقراطي ترك حل ازمة السكن للقطاع الخاص وعدم التدخل في آليات السوق.
الصعوبات والتعقيدات التي تواجه تشكيل حكومة جديدة
من الواضح ان نتيجة الانتخابات الحالية تعبر عن تبلور واستمرارية اتجاه برز في الانتخابات السابقة قي عام 2017 نحو المزيد من التعقيدات في خارطة الاحزاب السياسية وتحالفاتها لتشكيل حكومة جديدة.  حزب المستشارة ميركل حقق الفوز في انتخابات عام 2017 بحصوله على نسبة 33% من المقاعد ولكن هذا لم يكفي لتشكيل الحكومة بأغلبية 51%.  الخيارات المتاحة لها كانت:
اولا: تجديد التحالف الكبير (Große Koalition) مع الحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPD) والذي حصل على نسبة 20.5% من المقاعد وبذلك سوف تتمتع الحكومة الجديدة بأغلبية سياسية مريحة مقدارها 53.5%.  ولكن الحزب الاجتماعي الديمقراطي وخصوصا جناحه اليساري رفض تجديد التحالف مع خصمه التاريخي بسب لانه فقد الكثير من شعبيته واصوات الناخبين لصالح حزب الخضر واليسار وتكبد خسائر كبيرة في هذه الانتخابات (2017) وفي انتخابات الولايات الفدرالية السابقة.
ثانيا: تحالف جاميكا   مع حزب الاحرار الديمقراطي وحزب الخضر واللذان حصلا مجتمعين على نسبة 19.6% وبذلك ستبلغ اغلبية الحكومة الجديدة 52.6%.  اضطرت المستشارة الى التفاوض مع هذين الحزبين، وكانت مفاوضات عصية وصعبة وفشلت في نهاية الامر بسبب عدم استعداد قائد حزب الاحرار الديمقراطي السيد كريستيان لندنر (Christian Lindner) التنازل عن شروطه المتشددة وأعلن امام الكاميرات انسحابه من المفاوضات بكلمته المشهورة: “عدم الاشتراك في الحكومة أفضل من الحكم السيئ” مما قاد الى حالة انسداد سياسي ولأول مرة في تاريخ المانيا الحديث. 
الا ان رئيس الجمهورية السيد فرانك فالتر شتاين مايير  (Frank-Walter Steinmeier)والذي ينتمي الى الحزب الاجتماعي الديمقراطي تصرف خارج مصلحة حزبه وتدخل في الموضوع حفاظا على المصلحة الوطنية العليا للبلاد.  لقد دعى قيادة كل من التحالف المسيحي والحزب الاجتماعي الديمقراطي الى الاجتماع معه لحثهما على التفاوض وتجديد التحالف الكبير بين الحزبين للخروج من الانسداد السياسي الذي أصبح خطرا يهدد المصالح العليا للبلاد.  وبالفعل اذعن الحزب الاجتماعي الديمقراطي لطلب رئيس الجمهورية وتفاوض مع منافسه انتهت بتجديد التحالف الكبير وتشكيل حكومة ائتلافية جديدة وفق برنامج حكومي شامل مشترك تم التوقيع عليه في 7 فبراير 2018 وتمت المصادقة عليه من قبل قواعد الاحزاب المؤتلفة في 4 مارس 2018.  لقد استمرت عملية تشكيل الحكومة الجديدة في ذلك الحين حوالي 6 أشهر بينما كان المعدل في الدورات الماضية شهر ونصف فقط.  وتجدر الاشارة الى ان التحالف الجديد أحدث تذمرًا في قواعد الحزب الاجتماعي الديمقراطي ومزيدًا من الصراعات والخسائر في الانتخابات المناطقية. 
يبدو ان المشهد السياسي الحالي وتشكيل حكومة جديدةعلى ضوء نتيجة انتخابات 2021   أصبح أكثر تعقيدا من السابق.  فالخيارات اصبحت شبه محدودة تقتصر على خيارين وهو تشكل حكومة ائتلافية من ثلاثة احزاب على الاقل وذلك بسبب استبعاد حزب البديل من اجل المانيا من قبل كل الاحزاب الاخرى عن اي تعاون معه بسبب توجهاته القومية المتطرفة وينظر اليها بأنها معادية للديمقراطية. اما حزب اليسار اصبح خارج المعادلة بسبب تدني عدد المقاعد التي فاز بها.  هذان الخياران هما:
الاول: ائتلاف ما يسمى امبل(Ampel)  وتعني اشارة المرور الضوئية المتكونة من ثلاثة ألوان الاحمر والاصفر والاخضر والتي ترمز الى الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الاحرار الديمقراطي وحزب الخضر على التوالي.  ستكون القيادة للحزب الفائز في الانتخابات وهو الاجتماعي الديمقراطي وزعيمه المرشح لمنصب المستشار اولاف شولتز.  هذا الائتلاف سوف يتمتع بأغلبية سياسية مريحة تبلغ 52%.
الثاني: ائتلاف جاميكا بقيادة التحالف المسيحي وزعيمه المرشح لمنصب المستشار ارمين لاشيت مع نفس الحزبين المذكورين في الخيار الاول والذي فشل تحقيقه في عام 2017.  هذا الخيار ممكن دستوريا بغض النظر عن كون الحزب القائد للائتلاف قد جاء في المرتبة الثانية بشرط ان يوافق الحزبين على برنامج حكومي مشترك.  وفي هذه الحالة سوف تكون له اغلبية سياسية قلقة بواقع 50.4 %.  في حالة تحقق هذا السيناريو من المتوقع ان تشتد حدة الصراعات والانقسامات الاجتماعية وتنجم عنها استقطابات سياسية جديدة داخل الاحزاب وفيما بينها.  وبالتحديد نتوقع ان يفقد حزب الخضر الكثير من جماهيره لصالح المعارضة.
ولكن كلا الخيارين ينطويان على تعقيدات سياسية واجرائية لأن الذهاب الى اي من الخيارين سوف يتطلب مشاركة الحزبين الصغيرين (صانعي الملك) مجتمعين مع بعضهما مما يعني توافقهما على قاسم مشترك بينهما يمهد للبدء بمحادثات استكشافية مع أحد الحزبين الكبار او مع كلاهما على التوالي ومن ثم اتخاذ القرار بالبدء بمفاوضات التحالف مع أحدهما حول برنامج مشترك بين الاطراف الثلاثة لتشكيل الحكومة.  إن العقبة الكبرى امام تشكيل حكومة ائتلاف بشكل عام تكمن في وجود تقاطعات جوهرية في برامج الحزبين الصغيرين مما يتطلب تنازلات مؤلمة من كلا الطرفين للوصول الى اتفاق مبدئي للدخول في تحالف مع أحد الحزبين الكبار.  قيادات كلا الحزبين الخضر والاحرار أدركتا صعوبة الموقف وحجم التحديات الكبيرة امامهما ولذلك اتخذت قرارًا سريعًا لعقد اجتماع استكشافي اولي بينهما بهدف استطلاع امكانية التفاهم حول خارطة طريق مشتركة للتعامل مع الواقع الجديد.
في حالة فشل التوافق بين الحزبين الصغيرين الخضر والاحرار فسوف نشهد حالة انسداد سياسي جديد لربما تدعو رئيس الجمهورية للتدخل والتوسط بين الاطراف المتنافسة.  في هذه الحالة من المتوقع أن تبرز سيناريوهات جديدة وخيارات ثانوية ولو ضعيفة للخروج من الازمة وهي:
تشكيل حكومة اقلية بقيادة الحزب الاجتماعي الديمقراطي وبالتحالف مع حزب الخضر وبموافقة مشروطة من التحالف المسيحي مما يعني خروج حزب الاحرار من اللعبة. 
تشكيل حكومة ائتلاف كبير بقيادة الحزب الفائز وهو الحزب الاجتماعي الديمقراطي مع التحالف المسيحي.  هذا الخيار سيكون من الصعب قبوله من التحالف المسيحي، حيث تفضل معظم قياداته الذهاب الى المعارضة.  لكن الرأي العام ولربما رئيس الجمهورية سوف يمارسون الضغط على التحالف المسيحي للقبول بهذاالنوع من التحالف وتشكيل الحكومة حفاظاً على مصلحة البلاد العليا كما فعل الحزب الاجتماعي الديمقراطي في الدورات السابقة.
العوامل الرئيسية لتغيرات الخارطة السياسية 
تواجه المحلل لنتائج انتخابات الدورة العشرين للبرلمان الاتحادي الالماني سؤالان اساسيان، الاول هو لماذا مني حزب المستشارة ميركل بهذا الهزيمة التاريخية بالرغم من نجاحاته الكثيرة في حكم المانيا لمدة 16 عاماً والتي حقق خلالها انجازات كثيرة ومهمة.  ولكن هذه الانجازات يجب ان تحسب ايضا لشريكه المتحالف معه الحزب الاجتماعي الديمقراطي خلال كل هذه الفترة منذ عام 2005.  السؤال الثاني هو كيف تمكن الحزب الاجتماعي الديمقراطي المتحالف الصغير مع حزب المستشارة، من تحقيق النجاح في هذه الانتخابات بالرغم من خسائره الجسيمة على مدى السنوات الستة عشر الماضية على صعيد انتخابات البرلمان الاتحادي وايضا على صعيد انتخابات العديد من برلمانات الولايات الفدرالية. 
استطلاعات الرأي واراء معظم المحللين السياسيين تشير الى ان السبب الرئيسي لخسارة حزب ميركل يكمن في شخصية المرشحين الجدد لقيادة البلاد من قبل الاحزاب الثلاثة وان مرشح الحزب الاجتماعي الديمقراطي اولاف شولتز تمكن من اقناع جمهور الناخبين بشكل أفضل من منافسيه بكفاءته وخبراته المتراكمة في العمل السياسي والاداري لقيادة البلاد خلفا للمستشارة ميركل، سيما وانه شغل مناصب حكومية عديدة اخرها كوزير المالية في حكومة ميركل الحالية.  ويذهب بعض المراقبين الى القول بأن ارتفاع حظوظ شولتز بالفوز تعود الى ضعف القدرات القيادية والكارزمية لمنافسيه الاثنين الزعيم الجديد للائتلاف المسيحي لاشيت وزعيمة حزب الخضر انالينا بيربوك.  هذا الرأي صحيح الى حد ما ولكنه غير كافٍ لتفسير خسارة التحالف المسيحي. 
قبل كل شيء لابد من الاعتراف بأن الانجازات التي حققتها المستشارة ميركل لصالح حزبها خلال فترة حمكها لم تكن ممكنة من دون مشاركة حليفها الاصغر الحزب الاجتماعي الديمقراطي، حيث تناغمت قرارات المستشارة السياسية الاقتصادية مع الكثير من التوجهات السياسية لحليفها وخصوصا في مجال تحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية (زيادة الحد الادنى للأجور وتحسين مستويات رواتب التقاعد) وبرامج حماية البيئة والمناخ (التخلي عن الطاقة النووية وعن استخدام الفحم الحجري لتوليد الكهرباء والتحول نحو استخدام الطاقة البديلة) وكذلك التناغم في سياسات الهجرة وتقبل اعداد كبيرة من اللاجئين في عام 2015.  الانجاز الاخير اثار حفيظة الجناح اليميني المحافظ في حزبها والحزب البافاري الشقيق مما ولد نوع من الانقسام الاجتماعي والذي كان أحد اسباب تراجع قوة المستشارة وانسحابها التدريجي من قيادة الحزب وقرارها بعدم الترشيح لولاية خامسة.  وكما تم الاشارة سابقا اندلعت داخل التحالف المسيحي صراعات طويلة وعقيمة على خلافة ميركل مما ساعد على زيادة شعبية مرشح الحزب المنافس اولاف شولتز والذي اتسم بالهدوء والمهنية العالية في طرح برامجه الاقتصادية والاجتماعية.
على الصعيد الداخلي، شهد المجتمع والاقتصاد الالماني بعد الوحدة في 1990 تغيرات هيكلية واسعة كنتيجة لتغيرات ملموسة في التركيبة السكانية بسبب ضم نحو 18 مليون مواطن من المانيا الديمقراطية السابقة الى الكيان الغربي القديم بدلا من تـأسيس كيان جديد.  وبالرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاما على توحيد الدولتين الالمانيتين وصرف اكثر من ترليون يورو على عملية اندماج الوليات الجديدة (المانيا الديمقراطية سابقاً) لاتزال الفجوة بينهما فيما يخص مستويات الدخل وتوزيع الثروات كبيرة مما قاد الى ظهور تيارات واحزاب متطرفة وخصوصا قومية يمينية وعنصرية.  كما تسببت الزيادات المستمرة في اعداد المهاجرين الى المانيا في تغيير التركيبة السكانية والثقافية وارتفعت نسبة المواطنين من اصول اجنبية الى حوالي ربع اجمالي السكان في المانيا. ولذلك نرى ثلاثة شبان من اصول عراقية نجحوا في الانتخابات النيابية بجانب عدد غير قليل من اعضاء في البرلمان من اصول عربية وشرق اوسطية.  الا ان هذه التطورات الايجابية تبقى حالات منفردة من الاندماج في المجتمع والنظام السياسي الالماني، فلا تزال غالبية الجاليات الاجنبية وخصوصا العربية والمسلمة تواجهه صعوبات جمة في الاندماج وتواجه ممارسات عنصرية وارهابية من اليمين المتطرف. 
برزت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة جديدة وهي الحركة الاحتجاجية لتلاميذ المدارس تحت مسمى يوم الجمعة من اجل المستقبل (Friday for Future) تطالب بإجراءات جدية وفورية لمواجهة التغيرات المناخية وتدهور البيئة لحماية حقوق الجيل الجديد والاجيال القادمة مما يشير الى وجود صراع بين الاجيال الحالية والمستقبلية، ونجحت هذه الحركة في تحويل ازمة المناخ المعروفة علميا منذ عقود طويلة الى قضية رأي عام ليس في المانيا وحسب وانما على صعيد الاتحاد الاوربي.
الى جانب ذلك اشتدت الصراعات المجتمعية داخل الجيل الحالي على توزيع الموارد وثمرات النمو الاقتصادي المتحقق خلال العقود الماضية بشكل عادل على شرائح المجتمع المختلفة.  الكثير من الدراسات والتقارير تشير الى تمركز متزايد للثروات بأيادي قليلة من السكان والشركات الكبرى وتوسع الفجوة بين الاغنياء والطبقة العاملة والمنتجة للثروة الوطنية وخصوصاً في قطاعات الاجور المنخفضة والتي تشغل 20% من اجمالي عدد العاملين معظمهم من النساء وفي الولايات الشرقية  ويستلمون اجور متدنية بنسبة 20% تحد المتوسط العام للاجور .
ومن جانب اخر نجم عن التنامي السكاني في المدن بسبب تزايد اعداد المهاجرين من داخل ومن خارج البلد تفاقم ازمة السكن المزمنة وارتفاع كبير في اسعار العقارات واسعار الايجارات، حيث ساهمت السياسية النقدية الجديدة تحت عنوان “التيسير الكمي” والنقد الرخيص للبنك المركزي الاوربي في ارتفاع طلب المستثمرين والمضاربين على شراء العقارات في المدن امام محدودية العرض وبطء نموه مما زاد من حدة الازمة وتداعياتها على السلم الاجتماعي.  ومن تداعيات جائحة كورنا الاقتصادية تجدر الاشارة الى ارتفاع كبير في اسعار مواد البناء والكثير من المواد الخام بما في ذلك مصادر الطاقة الاولية الغاز والفحم واسعار البنزين بسبب الضرائب العالية وكذلك اسعار الكهرباء.  ولأول مرة منذ عام 1993 يتخطى معدل التضخم العام في شهر سبتمبر 2021 عتبة الـ 4% حسب بيانات مكتب الاحصاء الفيدرالي الالماني.
على الصعيد الخارجي انعكست وتيرة العولمة المتسارعة بشكل مباشر على الاقتصاد الالماني وموقعه التنافسي في الاقتصاد الدولي وكشفت مدى ترابطه الوثيق واعتماده الكبير على التجارة الخارجية.  من جانب الصادرات احتلت المانيا المركز الثالث في قائمة كبار المصدرين في العالم بعد والصين والولايات المتحدة في عام 2019 وسجلت ما قيمته 1811 مليار دولار مما يشكل حوالي 47% من الناتج المحلي الاجمالي.  وتتجلى اهمية الاسواق الدولية للصناعات التصديرية الالمانية من خلال عدد العاملين في هذا الميدان، حيث بلغ عددهم في عام 2018 حوالي 11.4 مليون عامل وما يمثل 25.4% من اجمالي الايادي العاملة في المانيا وفق بيانات معهد الاقتصاد الالماني.  اما من جانب الاستيرادات فقد كشفت جائحة كورنا الاعتماد المفرط على استيراد الادوية ومستلزمات الرعاية الصحية فضلا عن مدخلات صناعات عديدة واهمها صناعة السيارات الالمانية من دول شرق اسيا وخصوصا الرقائق الدقيقة (Mikrochips).  لقد تسبب هذا الاعتماد بانقطاعات في سلسلة الامدادات(Supply Chain)  وهذا بدوره انعكس في تراجع انتاج السيارات وتوقفه بشكل كامل في بعض المصانع.  كما كشف صعود الصين كقوة اقتصادية تصديرية تنافس المانيا في اسواق الاتحاد الاوربي وبلدان العالم الثالث العديد من الفجوات التكنولوجية وتخلف المانيا عن التطورات السريعة في مجال رقمنة الاقتصاد والصناعات وفي البنى التحتية لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلوماتية. 
كل هذه العوامل ساهمت في تغيير الخارطة السياسية وهي في نفس الوقت مثلت تحديات كبيرة تأخرت قيادة التحالف المسيحي في التصدي لها وفسحت المجال للمنافسين التسابق في تقديم برامج شاملة ورصينة للتعامل معها بجدية كاملة بعيدة عن المصالح الحزبية الضيقة وتعطي الاولوية المطلقة للمصالح الوطنية العليا للدولة الالمانية.
الاستنتاجات والدروس المستخلصة للعراق
كما هو الحال في العراق توجد ايضا في المانيا وفي كل المجتمعات البشرية صراعات على طريقة استغلال وتوزيع الموارد الاقتصادية.  ولكن اختلفت الطرق والوسائل لحل هذه الصراعات.  على مدى التاريخ الانساني كانت الوسيلة المهيمنة لحل هذه الصراعات اللجوء الى استعمال القوة القاهرة وشن الحروب الداخلية والخارجية وفق المعادلة الصفرية (رابح/خاسر).  هذه الوسيلة لاتزال متبعة في العديد من بلدان العالم الثالث وفي العراق ايضا.  الا ان تقدم التفكير الانساني العقلاني نجح في بناء مؤسسات الدولة المدنية الحديثة وتطوير حلول توافقية سلمية وفق قواعد اللعبة الديمقراطية وهذا ما يميز المانيا عن العراق.  وعلى هذا الاساس فإني شبه متأكد من قابلية الطبقة السياسية الالمانية تفادي حدوث انسداد سياسي طويل المدى واستعدادها للقبول بحلول وسط تقدم بموجبها جميع الاطراف تنازلات من اجل الحفاظ على المصالح الوطنية العليا للبلاد وفق معادلة (رابح/رابح) بين الشعب والاحزاب. وللاسف تفتقد الطبقة السياسية العراقية الى التفكير بهذه الطريقة بسبب  الاصول البدوية والعشائرية لمعظم افرادها المتأثرة بقيم البداوة كالتغلب على سبيل المثال (علي الوردي) وهو مايعني المعادلة الصفرية.
على مدى حوالي خمسين عاما تابعت أكثر من عشر دورات انتخابية للبرلمان الاتحادي الالماني وعشرات دورات الانتخابات على مستوى الولايات والمناطق البلدية لم اسمع مرة واحدة بطعن او تشكيك بنتائج الانتخابات مما يدل على رصانة ومصداقية النظام الانتخابي الالماني من جانب وعلى ان المشاركين في العملية الديمقراطية هم ديمقراطيون حقيقيون ، وهذا ما نتمناه ان يحدث في العراق.  كما نتمنى ان تراجع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في العراق بعد انتخابات أكتوبر القادمة مراجعة قانون الانتخابات والاستفادة من التجربة الالمانية.  وتجدر الاشارة ايضا الى ان عملية انتخاب رئيس الجمهورية في المانيا تختلف عن العراق وتتم من قبل مجلس الاتحاد الفيدرالي وليس من مجلس النواب الاتحادي مما يوفر نوعًا من الاستقلالية لرئيس الجمهورية بعيدا عن ارادة الاحزاب السياسية.  ولربما يمكن الاستفادة من هذه التجربة ايضاً التي اثبتت نجاحها في المانيا بدلاً من مطالبات البعض المتسرعة وغير الواقعية بالتحول من النظام البرلماني الى النظام الرئاسي■
(*) مستشار اقتصادي دولي والمنسق العام لشبكة الاقتصاديين العراقيين 
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر. 1 تشرين اول / اوكتوبر 2021 
http://iraqieconomists.net/ar/

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك