العراق اليوم

سالف العروس.. نبتة قادرة على إطعام العالم

مصدر الخبر / الصباح

   سيسيليا نويل
   ترجمة وإعداد: ليندا أدور       
 
منذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت منتجا غذائيا وتجميليا قيمته مليارات الدولارات، يجدها الزبائن المهتمون بصحتهم ممن يفضلون الحبوب القديمة في متاجر البقالة الأميركية، أو مطاعم الوجبات الخفيفة لعموم أنحاء المكسيك، وعلى نحو متزايد في أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ. انها حبوب القطيفة، أو (سالف العروس).  لكونها بروتينا كاملا يضم جميع الأحماض الأمينية الأساسية التسعة، تعد القطيفة او ما يعرف (أمارانث amaranth)، مصدرا غذائيا مهما لاحتوائها على المنغنيز والمغنيسيوم والفسفور والحديد ومضادات الأكسدة التي يمكن أن تحسن من وظائف المخ وتحد من الالتهابات.
 «هذا النبات بإمكانه إطعام العالم»، تقول تسوسي بينيا، المختصة بالتقنيات الزراعية المتوارثة، من ولاية نيومكسيكو،  فالقطيفة بالنسبة لها ذات قيمة ثقافية عميقة، وتعد “بينيا» جزءا من شبكات متنامية من نساء السكان الأصليين في عموم أنحاء أميركا الشمالية والوسطى، اللواتي كن يتشاركن  توارث المعرفة عن كيفية زراعة وتحضير القطيفة. 
 
حبوب زائفة
يبلغ عمر نبتة سالف العروس نحو ثمانية آلاف سنة، ويوجد من جنسها نحو 75 نوعا، من الحبوب الزائفة، اذ لا تعد من الحبوب وإنما من البذور، مثل الكينوا والحنطة السوداء، فهي خالية من الغلوتين. وموطن النبتة الأصلي هو أميركا الوسطى، لكنها زرعت في الصين والهند وجنوب شرق آسيا وغرب افريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. وتزرع بعض أنواع القطيفة كخضار ورقية، وأخرى كمحاصيل بينما تزرع أنواع أخرى لأغراض الزينة، حتى أنها يمكن أن تزرع في الحدائق المنزلية. تنمو مجموعات الزهور والسيقان الكثيفة بألوان تتنوع ما بين الأحمر الداكن والقرمزي الى المغرة (أحمر بني مصفر) والليمي (درجة من درجات اللون الأخضرLime)، لارتفاعات قد تصل الى نحو ثلاثة أمتار. 
ومنذ ظهورها لأول مرة على رفوف المتاجر خلال السبعينيات، تضخمت القيمة الإجمالية للقطيفة في عالم التجارة العالمية، ليصل اليوم الى نحو ستة مليارات دولار.
قبل وصول الإسبان الى الأميركيتين، كان شعبا الأزتيك والمايا يزرعون القطيفة كمصدر جيد للبروتين، الى جانب أغراض طقسية أخرى. مع وصول الغزاة الإسبان الى القارة الأميركية في القرن السادس عشر، هددوا بقطع يد كل من يزرع هذا المحصول، خشية أن يؤدي الارتباط الروحي بين السكان الأصليين بالنبات والأرض الى تقويض المسيحية.
 
الأرض الأم
لكن، مع ذلك، استمر المزارعون بزراعتها سرا، لتنمو كعشبة ضارة في حقولهم، حتى في أقصى الشمال لما بات يعرف اليوم بالولايات المتحدة. بالرغم من منع المستعمرين الإسبان زراعة سالف العروس في أميركا الوسطى والمكسيك وجنوب غرب الولايات المتحدة، لجأ المزارعون الأصليون للاحتفاظ ببذورها التي نمت بمرونة هائلة. وفي غواتيمالا، واجهت القطيفة حالة شبيهة بالانقراض، عندما أقدمت القوات الحكومية على اضطهاد شعب المايا، وحرق حقولهم خلال الحرب الأهلية ما بين الأعوام 1960 – 1996. وبهدف الحفاظ على طعامهم التقليدي، بدأ مزارعو المايا بحفظ حفنة من بذور القطيفة داخل جرار زجاجية دفنوها في مزارعهم أو أخفوها  تحت ألواح أرضية، بعد انتهاء الحرب، عادوا الى نشر البذور وزراعتها في مختلف أنحاء الريف، لينشأ من رماد ذلك الصراع منظمات مثل «كاتشو ألوم»، وتعني «الأرض الأم» بلغة حضارة المايا، بفضل أكثر من 400 أسرة تنحدر من أكثر من 24 قرية غواتيمالية، الذين كانوا يسافرون سنويا الى الولايات المتحدة لمشاركة معرفة أسلافهم عن المحصول لمناطق يغلب عليها السكان الأصليون واللغة اللاتينية. تقول بينيا بأن التبادل بين مزارعي أميركا الشمالية والوسطى غير محدد بالقطيفة كمحصول فحسب، بل يتعلق بإحياء روابط التجارة القديمة التي تقطعت بسبب الحدود العسكرية المتنامية. 
 
زهورها كنز
في العام 2010، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، مقالا تناول التهديد الماثل بالأعشاب الضارة، التي تطورت لتقاوم «راوند آب- Roundup» (مبيد أعشاب قائم على الغليفوسات وهو الأكثر استخداما في الولايات المتحدة-المترجمة)، بضمنها القطيفة، اذ يعمل المبيد عند رشه في الحقل على قتل جميع النباتات باستثناء تلك المعدلة وراثيا، لكن وبطريقة ما، نجت القطيفة منه كما نجت من الغزو الإسباني قبلها. يمكن لنبتة واحدة منها انتاج المئات من البذور، اذ يمكن لحفنة منها أن تتحول الى كيس بزنة مئة رطل خلال الموسم الثاني من الحصاد. بالنسبة للكثير من المزارعين المحليين من السكان الأصليين في كل من غواتيمالا والولايات المتحدة، فإن زراعة القطيفة اسهمت بتوفير درجة من الاستقلال الاقتصادي، لكنها الى جانب ذلك مهدت طريقا للسيادة الغذائية، فقد غيرت من حياة الأسر في تلك المجتمعات، ليس اقتصاديا فحسب، بل روحي أيضا، فزراعة المحاصيل التقليدية مكنت المزراعين الغواتيماليين من إعالة أسرهم من موطن أسلافهم، بدلا من العمل في العاصمة أو مزارع البن والموز الساحلية. 
مؤخرا، واثناء تفشي جائحة كورونا، فإن الكثير من أصحاب الحدائق الخاصة، ضمن المناطق التي عانت الإغلاق الطويل، شعروا بالأمان بمجرد رؤيتهم لها في الحدائق. يعلق مترجم عن الاسبانية، على القطيفة بأنها «نبتة مغذية موروث أسلاف المايا، زهورها كنز، صغيرة لكنها ساحرة، نأكل ورقها وحبوبها، محمصة كانت أو فشارا».

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك