العراق اليوم

التوسع والهيمنة وتصدير الثورة وتحت مبدأ الدين والعقيدة , ولكن لا تصلح في كل مكان وهناك شواهد كثيرة للاغتيال

مصدر الخبر / الاخبار

يريد الكاظمي حواراً مباشراً مع إيران.. وكل المؤشرات الحالية توحي برغبته هذه، إذ يحاول رئيس الوزراء أن يؤكد دائماً على أن دوامة الانحدار الكبيرة في العراق لن تتوقف إلا بصفقة كبرى، ليست مع العرب أو مع أوروبا والناتو أو الولايات المتحدة، بل مع إيران ذاتها. والمشكلة هنا أن التصرفات الغربية تدفع بهذا الاتجاه وكأن هنالك تسليماً غربياً بأن العراق عمق استراتيجي لإيران، ولا يمكن أن تتحسن الأوضاع فيه دون موافقة طهران، خاصة وقد بلغت من القوة والسطوة في المنطقة حداً لم يعد معه إرغامها على شيء ممكناً!
حتى في حال عقد الصفقة، لا يبدو أن الأمور ستسير ضمن السيناريو المتفائل بالنسبة إلى الكاظمي، فقد فشل رؤساء الوزراء العراقيون المتعاقبون في إعادة التوازن إلى العلاقة الثنائية التي ترجح كفتها دائماً لصالح طهران، ويرجع ذلك بجزئه الأكبر إلى عدم فهم كيفية تشكيل السياسة الخارجية في إيران، وليس الكاظمي بحال أفضل ممن سبقه في هذه النقطة، فقد حاول بشكل عام العمل مع مكتب الرئيس الإيراني، أو مع وكالات حكومية أخرى، متجاهلاً حقيقة أن هذه الكيانات ليست إلا جزءاً صغيراً من نظام طهران الذي يديره في الواقع الحرس الثوري، والذي بدوره يسيطر على الفصائل المسلحة التي تعمل بالوكالة، والمسؤولة عن شن الهجمات على المنشآت الأميركية والكيانات السياسية المناوئة لإيران.
ووفقا للتوافقات العراقية على الرئاسات الثلاث من جهة، وتغول النفوذ الإيراني في شأن العراق السياسي من جهة ثانية، سيبقى منصب رئيس وزراء العراق شكلياً بلا أثر فعلي لرأيه ولا تطبيق عملي لسيادته، لأنه سيبقى مضطراً للتأرجح بين ما تتطلع إليه واشنطن في العراق الجديد من جهة، وبين الضغط الذي تمارسه طهران عبر القوات والتيارات الموالية لها من جهة ثانية، ولذلك لن ينجح أي رئيس وزراء عراقي إلا إذا صبّ جلّ اهتمامه على إدارة هذا “التوازن” الوهمي ليبقى في منصبه الإداري مضموناً والسياسي من حيث الشكل فقط، ولا مناص من أن تنسحق جميع صلاحيات هذا المنصب الذي يقع بين نقيضين كبيرين هما: المطرقة الإيرانية والسندان الأميركي. ولا يمكن لهذين النقيضين أن يجتمعا لا من الناحية الصورية ولا من الناحية العملية، فالمطرقة الإيرانية تفرض على رئيس الوزراء كسب ود الفصائل الموالية لإيران والرافضة للوجود الأميركي، والسندان الأميركي يطالب بكف اليد الإيرانية عن شؤون العراق الداخلية والخارجية. فمن غير الصحيح منطقياً الجمع بين المتناقضات، بين كسب ود الفصائل العراقية الموالية لإيران والرافضة للوجود الأميركي، وبين المطالب الأميركية بكف اليد الإيرانية عن العراق.
أمام هذا الاستعصاء الذي دام عدة سنوات، والذي انعكس سلباً، وما زال حتى اليوم، على أمن العراق واستقراره واقتصاده، أفلا يكون من الأفضل أن تعمل الإدارة الأميركية، وهي على وشك الانسحاب من العراق، على تأسيس لجنة دولية – إقليمية – محلية برئاسة سياسي مخضرم وخبير بالمنطقة، ومشهود له من أطراف متعددة، ويكون لهذه اللجنة صلاحيات النظر في الشأن العراقي، والتوجيه بالتفاوض مع الإيرانيين، بهدف الوصول إلى ما يضمن للعراق وحدة أراضيه وسيادته الوطنية عليها، ويضمن للشعب العراقي تضميد جراحه والبناء لأجل مستقبله، وأن يتمكن سياسيو بغداد من قيادة وطنهم بأنفسهم، ومن إقامة تحالفاتهم وتنسيق سياساتهم مع غيرهم بما يخدم مصلحة العراق أولاً؟
ولاكن لم ولن تتوضح الرؤيا  الا :: كل من يرتجي الخير للعراق والعراقيين، تنفس، قليلاً، من الهواء النقي بعد مرور الاستحقاق الانتخابي الكبير، وفوز من فاز وخسارة من خسر، وجل الخاسرين من أتباع «الحرس الثوري» الإيراني.
رغم أن نوري المالكي حصد العديد من المقاعد، وهو يحاول كما فعل أيام إياد علاوي، الالتفاف على انتصار خصمه مقتدى الصدر، بتكوين تحالفات عابرة للصدر وغيره، ولكن هذه الحركة المالكية المعتادة، لن تلغي حقيقة الهزيمة الشنعاء التي مني بها «تحالف الفتح» بقيادة هادي العامري، وهو التكوين الذي يعتبر الجناح السياسي لميليشيات «الحشد الشعبي» العراقية التابعة لإيران. منذ أيام وقادة الميليشيات يهددون ويحشدون، بل وعلى لسان قيس خزعلي رئيس ميليشيات العصائب، الذي هدد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالاسم، ومن المنطقة الخضراء الحصينة في بغداد.
وفعلاً قصف منزل السيد الكاظمي، كما كشف حتى الآن، بـ3 مسيرات مفخخات تحمل كل السواد الحقود الكاره. لكن لطف الله بالرجل وبأسرته وبالعراق، أبعد عنه أذًى، وخرج من حفرة الأزمة يشيد بمنطق الدولة، ويرفض منطق اللادولة.
رد الدولة، أي دولة، على جريمة كهذه تستهدف رأس السلطة التنفيذية والقائد العام للقوات المسلحة، يجب أن يكون هكذا:
دان مجلس الوزراء العراقي محاولة اغتيال رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، معتبراً أن محاولة الاغتيال هذه: «تعد استهدافاً خطيراً للـدولة على يد جماعات مسلحة مجرمة، قرأت ضبط النفس والمهنية العالية التي تتحلى بها القوات الأمنية والعسكرية ضعفاً؛ فتجاوزت على الدولة ورموزها، واندفعت إلى التهديد الصريح للقائد العام».
لكن أعداء الدولة ونصراء اللادولة، هكذا تكون مواقفهم وكذلك تهديهم عقولهم العليلة:
قيس الخزعلي، رئيس عصابات العصائب قال في بيان له: «إنه بعد مشاهدة صور الانفجار الذي وقع في منزل رئيس الوزراء، وملاحظة عدم وقوع ضحايا، نؤكد على ضرورة التحقق منه عبر لجنة فنية متخصصة وموثوقة، للتأكد من أسبابه وحيثياته». هو يريد اتهام الكاظمي بتزييف العملية، لكنه تردد في التصريح، وكفاه مؤونة الجرأة زميله الآخر، حيث سخر المتحدث باسم كتائب حزب الله المكنى بأبي علي العسكري، من محاولة اغتيال الكاظمي، معتبرا أن «ممارسة دور الضحية أصبح من الأساليب البالية التي أكل الدهر عليها وشرب».
لكن إذا عرف السبب بطل العجب، وإذا ذيق المنبع استسيغ الجدول، فقد اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن المحاولة الفاشلة «مؤامرة خارجية».
سكرتير مجلس الأمن الأعلى الإيراني علي شمخاني اعتبر ما جرى «فتنة جديدة»، خلفها «مراكز الفكر الأجنبية».
وكالة أنباء (مهر) الإيرانية كتبت واصفة الحدث بـ«مؤامرة» ضد المجموعات المرتبطة بإيران في العراق.
هذه طريقة حزب الله اللبناني نفسها، بعد كل قتيل يسقط على يد ميليشياته وفرق اغتياله، فوراً يتم تركيب اتهامات خارجية، مرة لإسرائيل ومرة لـ«داعش» ومرة لـ«القاعدة» ومرة لكوكب بلوتو… لكن أين إسرائيل عن ليلى المريضة بالعراق… بينها وبينهم بِيَد خلفها بِيَد!
مسك الختام للكاظمي المغدور، الذي قال في كلمة مسجلة للعراقيين: «المسيرات لا تبني الأوطان».
وقال: «بناء العراق لا يتم إلا عبر احترام مؤسسات الدولة».:
وحول محاولة اغتيال الكاظمي التي كتب لها الفشل والفضيحة لمرتكبيها ومؤيديهم والمتفرجين  اذ تمنوا الشر للبلد _ في بيان شديد اللهجة، دان مجلس الوزراء العراقي اليوم الأحد محاولة اغتيال رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، معتبرا أن الجماعات المسلحة المجرمة تجاوزت على الدولة ورموزها
كما وصف الاعتداء الذي طال فجرا منزل الكاظمي عبر طائرات مسيرة مفخخة، بـ “الإرهابي الجبان”.
موضوع يهمك?بعد أن توعد وهدد، متهما رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، بالتورط في قتل متظاهري فصائل الحشد، أدان أمين عام “عصائب…الخزعلي: ندين استهداف الكاظمي إن كان مقصوداً! الخزعلي: ندين استهداف الكاظمي إن كان مقصوداً! العراق
“تهديد صريح”
كذلك أكد أن محاولة الاغتيال هذه “تعد استهدافاً خطيراً للـدولة على يد جماعات مسلحة مجرمة، قرأت ضبط النفس والمهنية العالية التي تتحلى بها القوات الأمنية والعسكرية ضعفاً؛ فتجاوزت على الدولة ورموزها، واندفعت إلى التهديد الصريح للقائد العام.
إلى ذلك، شدد على أن القوات الأمنية تعهدت بحماية البلاد وسيادته أمام كل من تسول له نفسه تحدي الدولة، وستقوم بواجبها الوطني في ملاحقة المعتدين ووضعهم أمام العدالة.
وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية ستعمل للكشف عن الجهات المتورطة في هذا الفعل الإرهابي، والقبض عليها، وتقديمها إلى المحاكمة. وختم معتبرا أن “من يظن أن يد الأمن لا تصل إليه واهم”، مشددا على أنه ليس هناك كبير أمام القانون.
الميليشيات هي التي تحكم العراق وتمويلها يأتي من الدولة كرواتب لمنتسبيها ومن الإبتزاز وبيع أملاك الدولة او تأجيرها ، ولهذا هي متأكدة أن لا أحد سيحاسبها . سيأتي يوم تدخل هذه الميليشيات المنطقة الخضراء ( تذكروا هذا ) وتعلن استيلاءها على الحكم وإقامة جمهورية إسلامية دون مقاومة تذكر من جيش أمراء الطوائف . قتل الألوف من المتظاهرين وجرح الألوف وقتل الكثير من الناشطين المدنيين والقتلة معروفون ولم يحاسب أي منهم . توقعوا الأسوء في زمن حكومة أمراء الطوائف والميليشيات وتوقعوا مزيداً من الكوارث .
ابدا يا دولة رئيس الوزراء بطرد هؤلاء المجموعة الماجورة امام الخضراء, والذين جاؤوا كالبهائم الموعودة بالبرسيم. العامري والمالكي والخزعلي والعسكري جميعهم مشاركين, وكذلك سفارة الشر (السفارة الايرانيه). اذا لم تستطع فقط حرك الشارع وسرايا السلام بالتنسيق مع الصدر. هذه محاولة الاغتيال تبين مدى الذعر الذي هم فيه. كيف مصادر الايرادات تذهب ما يديهم؟ كيف لم يعد لديهم ما يعطوه الى الايرانيين؟ الا اذا فقط …. ما تبقى لهم, واجزم انهم قدموه. هؤلاء عار ان يدوسوا ارض العراق.
أيقظت محاولة إغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الفاشلة، عملية اغتيال رفيق الحريري الناجحة، وخصوصا تداعياتها المتناسلة رغم تقادم الزمن. وبدون مقدمات أيضاً، تبدو الاستهدافات الاستراتيجية العميقة للاغتيالين متشابهة حدّ التطابق.
محاولة اغتيال مصطفى الكاظمي رغم فشلها، حبست أنفاس ليس العراق والعراقيين فحسب، بل أنفاس المنطقة برمتها. حبس أنفاس غير منزوع الصواعق، تماما كما إنه غير منزوع السياقات. فمحاولة الاغتيال هي ترجمة أمينة لتهديدات متلفزة أطلقها قادة الفصائل الموالية لإيران وآخرهم قيس الخزعلي الذي توعّد الكاظمي وهدّده. لم يمرّ وقت طويل على تهديدات خزعلي العصائب، وقبله كتائب حزب الله وكتائب سيّد الشهداء، حتى ترجمته المُسيرات المفخّخة على أرض المنطقة غير الخضراء.
خبر محاولة الاغتيال وبالمُسيرات المفخّخة غير مفاجىء. فقد سبق لهذه المُسيّرات أن حلّقت تحذيرياً فوق مقر الرئيس العراقي برهم صالح وفي المنطقة الخضراء إياها، ويومها غادر الرجل الى مسقط رأسه في إقليم كردستان وعاد الى بغداد دون الحديث عن ضمانات بعدم تكرار الرسائل المُسيّرة وغير المشفّرة. كما سبق لهذه المُسيرات أن حلّقت أيضاً فوق مقر مقتدى الصدر في الحنانة بمدينة النجف، ويومها امتصّ زعيم التيار الصدري تحذير المُسيّرات، وتعمّد عدم إثارته، تاركاً أمر معالجته للغرف البينية والإقليمية المغلقة.
لكنّ تنفيذ الميليشيات لتهديدها ووعيدها ضد الكاظمي، برهن أن الجماعة لا يمزحون، بل إنهم جادون ومستعدون للذهاب الى ما بعد بعد المُسيّرات بدءاً من برهم صالح ومقتدى الصدر تحديداً.
صحيح أن محاولة اغتيال الكاظمي قد فشلت لتنطلق تداعياتها بيانات استنكارية عراقية وعربية ودولية تصف العلمية بالارهابية. لكن ما النتائج التي كان يتوخّاها أصحاب المُسيّرات منها، بل ماذا عن السيناريو اللاحق لما بعد الاغتيال فيما لو نجح؟
أغلب الظن أن فشل الإغتيال لا يعني طي صفحته بل يعني استدراكه بعملية مضمونة النتائج. فأمر الموت الولائي صدر بحقّ الكاظمي، وفشل هذه العملية التي سبقها ثلاثة محاولات، لا يعني فشله في عملية لاحقة، فدوام الفشل من المحال.
لكن اغتيال الكاظمي لو نجح، فسيكون الحلقة الأولى من السنياريو الذي أعده أصحاب المُسيّرات بإتقان بعد نفاذ مخزونهم من الصبر الاستراتيجي في التعايش والتأقلم معه في محاولة بناء الدولة العراقية.
أمّا الحلقة الثانية من السيناريو فستكون باقتحام المنطقة الخضراء وإطباق السيطرة عليها وعلى ما فيها من مقرّات رسمية وحكومية وأمنية وعسكرية، كما وباقتحام مقر مفوضية الانتخابات واعتقال مسؤوليها والغاء نتائجها، وإعلان الميليشيات الولائية سيطرتها على الوضع العام بعد اعتقال مقتدى الصدر وفرض نوري المالكي رئيساً لحكومة مفروضة بقوة السلاح، تأخذ على عاتقها تصفية الوضع القائم.
خطورة محاولة اغتيال الكاظمي رغم فشلها أنها وبالحد الأدنى وجهت الرسائل لكل من تسوّل له نفسه محاولة النيل من الميليشيات المتغوّلة على العراق والدولة العراقية والشعب العراقي، رغم خسارتها المدوية في الانتخابات التي كشفت عُريها وسوءاتها حتى من ورقة التوت التي أسقطها الشعب العراقي خلال ثورة تشرين بضريبة دم بلغت نحو ألف شهيد والاف الجرحى والمعوقين، ثورة صرخ بناتها وشبابها ونسائها ورجالها في ميدان التحرير ببغداد، وساحة الحبوبي في الناصرية كما وفي ساحات البصرة والنجف وكربلاء التي مزّقت وأحرقت فيها صور خميني وخامنئي وسليماني “ايران برا برا بغداد تبقى حره”.
يوم اغتيال الباحث العراقي هشام الهاشمي قلنا، “ان اغتيال الهاشمي أشبه بنصف اغتيال لرفيق الحريري دون رفاقه، وهو بدون شك نصف اغتيال فعلي لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، الذي سبق أن تلقى كما الهاشمي تهديدات بالقتل تهدف لدفعه إلى تعديل سلوكه، والإقلاع عن تنفيذ خطته الأساس القائمة على حصر السلاح بيد الدولة.
وبعد عام على اغتيال الهاشمي أعلن الكاظمي عن اعتقال قتلته وقال “وعدنا بالقبض على قتلة هشام الهاشمي وأوفينا الوعد”. لكن مفاعيل القبض على قتلة الهاشمي بدت وكأنّها ضد “مجهول” لأنها جهّلت الميليشات التي ينتسب لها القتلة. والأمر نفسه حصل مع قتلة صحفي البصرة أحمد عبد الصمد.
ورغم عدم إماطة اللثام قانونياً عن الجهات التي تقف وراء منفذي الاغتيالات ضد الناشطين فضلاً عن ضباط الجيش والأجهزة الأمنية العراقية إلا أن هذه الجهات معروفة لكل العراقيين. إنهم أنفسهم خلايا الكاتيوشا التي للمفارقة لم تصب صواريخها الصوتية “المقاومة” يوماً مقر السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، بخلاف المُسيّرات المفخّخة التي أصابت منزل الكاظمي.
آخر الدواء الكي، المعادلة التي تصرّ الميليشيات الولائية على فرضها في العراق، والتي تعتبر أن مشروعيتها تنبثق من صليات الصواريخ والمُسيّرات المفخخة وليس من صناديق الانتخابات التي خذلتها مرتين، مرة بالعدّ الالكتروني ومرة بالعدّ اليدوي.
إنه الاغتيال الذي أراد أصحاب المُسيرات من خلاله إعادة العراق مجرد جبهة متقدمة لايران تتغوّل فيها وعبرها على البلاد العربية، سيّما بعد الدور الجديد الذي حاولته بغداد من خلال بعض القمم العربية والإقليمية، وخصوصاً الحوار السعودي الايراني الذي يبدو أنه اصطدم بتعنّت ايران التي يبدو أنّها لا تريد من الحوار مع السعودية سوى اعادة فتح البعثات الدبلوماسية السعودية الحريقة في طهران وقم، بعيداً عن لجم أذرعها في اليمن ولبنان.
محاولة اغتيال الكاظمي ترخي بظلالها على الواقع اللبناني المأزوم والمتشابه لأبعد الحدود مع الواقع العراقي حيث تتغوّل في كل منهما الميليشيات على الدولة. تغول فضحته ثورة تشرين العراقية وفرضت بسببه متغيّرات جوهرية، مشابهة للمتغيرات التي فرضتها 17 تشرين اللبنانية. ويبدو أن التشابه بين العراق ولبنان دفع أصحاب المُسيّرات الولائية لكي يقتبسوا من لبنان نجاح اغتيال رفيق الحريري بشاحنة مفخخة، وهو الإغتيال الذي تمكن حزب الله من بعده من الإطباق التدرجي على مفاصل الحكم والسلطة والاقتصاد الذي يعيش اليوم مرحلة ما بعد الموت في قعر جهنم، من قبل إنفجار مرفأ بيروت بشحنات النيترانيوم وبعده.
ولأنّ الانتخابات بالانتخابات تذكر، فهل سيجد اللبنانيون أنفسهم أمام تكرار السيناريو العراقي في لبنان، وألهذا السبب رفع نصرالله اصبعه مجدداً وكشف عن الـ 100 ألف مقاتل، ذلك السرّ الثمين لعديد قواته الذي يلهث وراءه دهاقنة الموساد، علماً أن نصرالله لم يرفعه في وجه اسرائيل، بل رفعه في وجه اللبنانيين عبر التصويب على قوى سياسية يناصبها الخصومة والعداء بعدما انخرط معها في “التحالف الرباعي” وفي حكومات متعاقبة تبادلوا فيها المنافع وتقاسموا الأدوار ضد الشعب الذي تظاهر ضدهم “كلن يعني كلن”.
السيناريو العراقي ليس بعيداً عن لبنان، بل يرجّح أن مآلات الانسداد والاستعصاء في الواقع اللبناني بعد تشكيل “حكومة الماكريسية” آخذة في التصاعد جرّاء اصطدامها بفيتو حزب الله المزدوج على جلسات الحكومة حتى إقالة المحقق العدلي في إنفجار مرفأ بيروت، وعدم إقالة وزير الاعلام جورج قرداحي التي ربما تفتح ثغرة في وجه التصلّب السعودي الخليجي الغاضب من هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية.
العراق على مفترق طرق وعرة. وخيارات الكاظمي الذي وُضع تحت مرصد المُسيرات محدودة، لكن أقصرها وأقلها كلفة هو تنحية الكلام عن الحكمة والحوار مع ميليشيات المُسيّرات ورميه جانباً، والعمل بحزم على بسط سلطة الدولة وتحريرها من قبضة الميليشيات وتغوّلها وهذا ما تنتظره الغالبية الغالبة من العراقيين.
ولو اعدنا النظر بتاريخ العراق لعلمنا ان البعض يسلم عنفه للاخر ومن اجل السلطة والسطوة وباي شكل واسهلها عندهم الاغتيال والتصفية – كُل تفصيل سياسي وجنائي من مشهد محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، متطابق تماما مع ما كانت عليه الحياة السياسية في العراق طوال قرن كامل مضى، هو كامل تاريخه. حيث كان ولا يزال الاغتيال هو الفاعل الأكثر ثباتا وديمومة وحيوية في مسارات ذلك التاريخ، وغالبا كان الاستراتيجية الوحيدة لأغلب الشخصيات والقوى السياسية التي حاولت النفاذ والهيمنة على هذا البلد، القلق في كل تفصيله، والمتلهف لنبذ كل استقرار.
من بين ثلاثة ملوك حكموا العراق، اغتيل اثنان، ومعهم الوصي على العرش، الذي كان الحاكم الفعلي للعراق طوال سنوات طويلة (1939-1953). قتل الملك غازي بمؤامرة اُتهم فيها البريطانيون، لكن فقط لأن غازي نفسه كان مُتعاطفا مع النازية، ويملك نزوعا خرافيا حول الصراعات والأمم العُظمى، ويسعى للثأر من الإنكليز، الذين حسبه، تخلوا عن جده الشريف علي ابن الحسين، وقبلوا بهيمنة آل سعود على مملكتهم الحجازية، أي كان رهينة حكاية وقضية خارج العراق، تفوق مملكته حجما وطاقة.
عبد الكريم قاسم، الزعيم السياسي الذي يعتبره العراقيون حتى الآن الأكثر تمثيلا لقيم ومعنى “الوطنية العراقية”، كان هو نفسه الذي فتح جحيم القتل العدمي الأرعن في هذه البلاد، حينما سمح للرعاع من ضباط وجنود جيشه بالفتك بالعائلة المالكة، كبيرهم وصغيرهم، سياسيهم ومدنيهم، ومعهم الوزراء والمسؤولون وعائلاتهم، وذلك صبيحة انقلابه الشهير في الرابع عشر من تموز من العام 1958.
غير الروح العسكرية الانتقامية، فإن قاسم كان محملا بطيف من خطابات القومية الوطنية الشعبوية، التي كانت تملك هياما مفرطا بالقوة، القومية الوطنية المستمدة من التجربة الألمانية، التي كانت الإرث العقلي والسند الروحي للعسكر الذي حاولوا الانقلاب على الحكم الملكي لأول مرة عام 1941 بقيادة، رشيد عالي الكيلاني، وحينما فشلوا عُلقت جثث ضباطهم في الساحات العامة، فراكموا حقدا كان يُستحال كبته، وقاسم كان من نسل تلك المرحلة.
لسوء أقدار فظيعة، فإن شريك قاسم في انقلابه الشهير، الضابط عبد السلام عارف، كان في قيادة الانقلاب على قاسم نفسه بعد خمس سنوات فحسب، وبالشراكة مع تنظيمات حزب البعث. ذلك الانقلاب الذي اُغتيل قاسم على يد منفذيه، وعبر وابل من الرصاص، بعد محاكمة استمرت لنصف ساعة فحسب.
عارف نفسه انقلب على شركائه البعثيين بعد شهور قليلة، لكنهم أيضاً اُتهموا بعد سنوات باغتياله، عبر إسقاط طائرته عبر مؤامرة مُدبرة. ما لبث البعثيون، وبشراكة أجنحة أخرى من التيار القومي، أن انقلبوا على شقيق عارف عام 1968، وفتحوا بابا واسعا ليكون الاغتيال كُل الحياة السياسية والعامة في البلاد.
اغتال البعثيون شركائهم في الانقلاب من أعضاء الحركة القومية، لاحقوهم في المنافي ومحقوا إرثهم المتبقي في البلاد. وفي قاعة الخُلد الشهيرة، فتك، صدام حسين، برفاقه في قيادة البعث، وعلى الهواء مباشرة. شارك البعثيون نظراءهم الشيوعيين لشهور قليلة، ما لبثوا أن محقوهم، حاولوا اغتيال الزعيم الكُردي المُلا مصطفى البارزاني عام 1971، بعدما كانوا قد اتفقوا معه قبل شهور فحسب على تقاسم السُلطة في البلاد. لم يُبقوا زعيما واحدا لأي من التنظيمات السياسية إلا وسعوا لمحقه. مدنيون وإسلاميون، شيعة وسُنة، أكراد وعرب.
بدورهم، تعرض الزعماء السياسيون البعثيون لكم هائل من محاولات الاغتيال، العشرات منها حاولت استهداف، صدام حسين، نفسه، بعضه كان من تدبير أبناء عشيرته المُقربين، مثل المحاولة الشهيرة لسطم غانم الجبوري، وأخرى من أعضاء قيادة جيشه، مثلما حاول الضابط بارق الحاج حنطة.
استمر ذلك العُرف بعد العام 2003، على الرغم من أن الرئيس العراقي، جلال الطالباني، كان أول رئيس عراقي يرحل بحالة وفاة طبيعية، ومنذ موت الملك فيصل الأول. لكن جنازته قاطعتها الأغلبية المُطلقة من القوى السياسية العراقية. حيث بقيت الحياة السياسية في العراق محافظة على الاغتيال كأساس عميق لكل شيء، وإن كانت قد تبدلت بعض أشكاله، من اغتيال زعيم سياسي هنا وآخر هناك، إلى اغتيال جماعة طائفية ما عبر تسليم مناطقها لتنظيم وحشي مثل داعش، أو اغتيال جماعة قومية أخرى عبر قطع حصتها من الميزانية العام وفرض حظر تام عليها.
في كُل تفصيل من كُل تلك الحكايات ثمة تركيب رهيب من ثلاثة مؤثرات، ما كان العراق قادرا على الفكاك منها.
فمن الملك غازي إلى الذين استهدفوا الكاظمي، ثمة خارج ما مُتدفق نحو العراق. خارج له ممثلون ومُعبرون في المشهد العراقي، يفضلونه على كل الفضاء العراقي، ومستعدون للموت في سبيله. هذا الخارج حاضر وفعال لهذه الدرجة، لأن العراق كيان مُركب إلى هذا الحد، كيان مُشكل بعسر بالغ، مفروض على أناس ومجتمعات ما كان لها رأي أو قبول بما فُرض عليهم كيان. ولأجل ذلك بالضبط، كان ثمة من ضمن العراقيين من هو مُستعد لأن يكون ذا وشائج مع ذلك الخارج أكثر من أية رابطة مع مساحة البلاد الداخلية.
لكن الأهم في مسألة الخارج، أنها كانت تعني أن العراقيين يجب أن يخوضوا فيما بينهم حربا داخلية مفتوحة، أساسها الصراع على العراق نفسه، روابطه وتبعيته مع أي جهة من جهات الخارج هذا.
إلى جانب الخارج، وفي كل حادثة من تلك، كان ثمة خضور لإيديولوجية مُفعمة بالخطابية الزاجرة. حيث كان منفذو الاغتيالات كل مرة يرون فيما يقومون به فعلا ، من أشرار ملوثين بكل أشكال الخطيئة.
ذلك الفيض الإيديولوجي الخطابي العراقي متأتٍ من أعماق البنية التأسيسية للمجتمع العراقي، كبلاد للشعر الفصيح والمواويل الحزينة، البلاد التي كانت مصدرا للأساطير الخلاصية والذاكرة الجمعية المتخمة بالبطولات والأمجاد المتخيلة، وقلبها بنية تربوية وعسكرية خالية من كُل رقة وقيمة للتعايش، أرسى جذورها متعصبون فاشيون من أمثال ساطع الحُصري، الذين شكلوا عالم المناهج واللغة العامة في البلاد.
أخيراً، فأن الاغتيال في المشهد هو تعبير عن أصالة الثأر في العقل الجمعي، المستند إلى روح العشيرة، التي ما تغيرت، وإن لبست ربطة عُنق أو ارتدت سُترة عسكرية.
فالملك غازي كان يحاول أن يثأر لجده، وقاسم لرفاقه الضُباط الذين شاهد جُثثهم معلقة عقب فشل انقلاب عام 1941. عارف ثأر من قاسم الذي أخرجه من الحُكم، بعدما كان نائبه وكاتم أسراره، فصار مُجرد سفير ومن ثم سجينا سياسيا. البعثيون ثأروا من الأخوين عارف لأنهما أخرجوهم من الحُكم. ومن بعدهم ثأروا من المُلا مُصطفى البارزاني لأنه فرض عليه شراكة عربية كُردية، تتنافى مع مخيلتهم عن “العشيرة الأقوى”. وبعدها ثأرت عشيرة الجبور من صدام الذي حرمهم من نُعمة الحُكم وخص بها أبناء تكريت، وضُباط صدام حاولوا الثأر منه لأنه كان سبب هزيمتهم في الكويت.
في روح الثأر هذه، لا محاكمات ولا غفران، لا تفكير عميق بمساومة مدنية ذات معنى وقيمة مضافة، وأولا لا قطيعة نهائية مع ماضٍ يرفض أن يموت، لكنه يقتل كُل ما في طريقه. وراهنا، أحلام وتطلعات الملايين من شُبان العراق، الذين لا يستحقون إلا شيئاً واحدا، العيش بأمان.  

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك