العراق اليوم

العالم يصنعه المنتصرون

مصدر الخبر / الاخبار

لابد أن يكون الرئيس الروسي بوتين، قبل أن يرسل جيوشه إلى أوكرانيا، قد راجع حساباته وتشاور مع مخابراته، وتيقن من أن أمريكا ستكون ملزمة بأن تنتفض عليه وتضع كل خزائنها العسكرية والسياسية والمالية والتكنولوجية والإعلامية الهائلة، كلها، في حربِ حياةٍ أو موتٍ ضده، وضد كل من يحاول المساس بتفرّدها بقيادة النظام الدولي، ولكنه، برغم ذلك، غامر، وقامر، وأقدم على منازلتها ومنازلة حلف الناتو الذي تقوده. 
ثم وقع المحذور، كما تَوقع، وهبَّت أمريكا الديمقراطية والجمهورية، معا، معلنةً نفيرَها العام، لا بالعقوبات الخانقة غير المسبوقة التي سارعت إلى فرضها على روسيا من اول ساعات الغزو، بل باستخدام كل نفوذها لتوحيد أوربا وراءها. فقد انشغلت بتسيير وفودها إلى حليفاتها حول العالم، وخاصة تلك التي تملك الطاقة، طالبة منها الإنخراط في مشروعها لمنع الجيش الروسي من الانتصار في أوكرانيا، ولعزل الدولة الروسية عن العالم، وإنهاكها، وتحويلها إلى دولة من درجة كوريا الشمالية وفينزويلا وإيران.
وطبعا لم تَغضَب أمريكا إلى هذه الدرجة الساخنة الحارقة حباً بزرقة عيون الرئيس زيلينسكي وعيون مواطنيه الأوكرانيين، ولا من أجل الدفاع عن حرمة الديمقراطية، ولا عن سيادة دولة مستقة، كما تدعي، بل ليقينها بأن العالم يصنعه المنتصرون، وبأن الناس مع الواقف، وبالتالي فإن أي ثلمٍ لهيبتها وجبروتها وسطوتها على العالم لابد أن يوحّد عليها أعداءها التقليديين، الصين وكوريا الشمالية وفينزويلا وإيران، ثم يشجع دولا أخرى على التمرد عليها، وعلى التحالف مع أعدائها.
وهذا هو ما جعل الغزو الروسي لأوكرانيا هو الأخطر على أمريكا من احتلال بوتين لجزيرة القرم في 2014، ومن غزوه لجورجيا والشيشان، قبل ذلك، ومن حربه التدميرية في سوريا، وذلك لأنه سوف يفرض عليها أن تخوض، لاحقا، حروباً كثيرة وكبيرة في مناطق أخرى متعددة من العالم. 
ومن مراقبة ضخامة شحنات المساعدات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لأوكرانيا، وجولات وزير الخارجية بلينكن، ومن تحركات بايدن، نفسه، وتصريحاته اليومية، ومن متابعة أخبار متاعب الجيش الروسي وخسائره المتلاحقة، بفعل الدعم الأمريكي الأوربي غير المحدود، وآخرُها تدمير أهم بوارجه الحربية في البحر الأسود، يمكن التكهن بأن المطلوب، أمريكيا، من هذه الحرب أن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تُنهك روسيا، وتقضي على طموحات بوتين الزعامية، وربما تسقطه، في النهاية.
وتؤكد صحيفة واشنطن بوست أن “الكثير من الإجراءات التي تبنّتها أمريكا والغرب ستظل قائمة حتى بعد انتهاء الحرب”.
والتحذيرات الأمريكية والأوربية الحازمة العلنية والسرية للصين من دعم بوتين بأي شكل من الأشكال لا تعني سوى أن أمريكا تخوض حربها لا مع روسيا، فقط، بل مع كل من يؤيدها أو يعاونها، عبرة لمن يعتبر. 
ثم جاء التصويت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة على قرار إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا ليضاعف من قلق أمريكا على هيبتها في العالم. 
فقد أظهر لها أن دولا عديدة تُعدُّ من حليفاتها المؤتمَنات، على مدى سنوات، تَبيَّن أنها كانت تتحين الفرص المواتية للتمرد عليها لتصفية حساباتها مع سياساتها المؤذية الابتزازية الانتهازية السابقة.
فقد اعتبرت صحيفةThe National Interest  الأمريكية أن رفضَ 35 دولة دعمَ القرار المناهض لروسيا في الأمم المتحدة “علامةٌ مزعجة ومقلقة”.
فبرغم أن 141 دولة صوتت لصالح القرار من مجموع 193، وأن خمس دول، فقط، عارضته، إلا أن الذي أقلق الإدارة الأمريكية على مشروعها الهادف إلى تشكيل تحالف دولي منيع ضد بوتين، هو أن عدد الممتنعين عن التصويت كان 35 دولة. 
ورغم أن امتناع كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان وأرمينيا وكوبا ونيكاراغوا وبوليفيا والسلفادور عن التصويت كان متوقعا لدى الأمريكيين، من قبل، إلا أن رفض الهند ودول شرق أوسطية، مهمة منها الجزائر والعراق الذي يعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي الكبير هو المزعج المثير للاستغراب.
أما الأكثر إيلاما للإدارة الأمريكية فقد كان رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي استقبالَ مكالمات هاتفية من الرئيس الأمريكي بايدن، حسب رواية وول ستريت جورنال التي قالت “إن المسؤولين السعوديين والإماراتيين أصبحوا أكثر توجّها نحو الصين في الأسابيع الأخيرة، وأكثرَ انتقادا للسياسة الأميركية في الخليج”.
والسؤال المهم الآن، إذا كانت كلُّ هذه التغيّرات المزعجة قد حدثت في مواقف دول العالم وبوتين محاصر ومُحبط، فكيف إذن سيكون الحال لو خرج منتصرا في أوكرانيا، ثم أغراه انتصارُه في أوكرانيا فزحف على فنلندا ثم السويد، مثلا، قبل انضمامهما لحلف الناتو، وتبعته الصين فغزت تايوان، وتجرأت كوريا الشمالية فهاجمت كوريا الجنوبية، واضطرت أمريكا لأن تحارب في جميع هذه الجبهات دفعة واحدة؟، ألن يتلاشى النظام الدولي الحالي الأمريكي ويحل مكانه نظام جديد يقوده تحالفُ المنتصرين؟.
والشيء بالشيء يذكر. كيف كان العالم يبدو اليوم لو انتصر  صدام حسين على إيران، مثلا، وتحقق له أن يحتل مناطق النفط والغاز في مناطقها الغربية، ثم غزا الكويت ولم تحشد أمريكا جيوشها وجيوش 30 دولة لإخراجه منها، وتخادمت معه بدل نظام الخميني، وتركت له حرية احتلال المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية الغنية بالنفط، ثم احتلال البحرين وقطر والإمارات، أما كان اليوم هو امبراطور الشرق الأوسط الكبير، والمالك لثلاثة أرباع حاجة العالم إلى الطاقة؟، وأما كان اليوم هو أحد ثلاثة كبار، شي جين بينغ وفلاديمير بوتين، يديرون العالم ويتحكمون بالنظام العالمي الجديد؟، وأما كان قصي صدام حسين هو وليَّ العهد الذي تسعى أمريكا وحليفاتها الأوربيات لكسب ودَّه ورضاه؟، وأما كان علي خامنئي قد جُلب أسيرا مع كبار مساعديه العسكريين والمدنيين وأعدموا في ساحة الفردوس؟، وأما كان نوري المالكي وهادي العامري ومقتدى الصدر وفالح الفياض وأبو علي العسكري وأبو فدك يعملون اليوم خدما في منزل أحد أحفاد القائد الضرورة، أو ضيوفاً على إحدى مقابره الجماعية التي لا يجرؤ أحدٌ على أن يتحدث عنها إلا همسا وفي الخفاء؟.  

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك