اخبار الاقتصاد

الطاقة النووية.. هل تمثل العصا السحرية؟

مصدر الخبر / الاقتصاد نيوز

كثر الحديث مؤخراً عن الطاقة النووية وإمكانية استبدالها للكهرباء المولدة بالوقود الأحفوري لتقليل انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون وسط سعي دول وحكومات العالم للالتزام باتفاقيات الحد من التغير المناخي وخفض تسارع الاحتباس الحراري، إضافة لما سببه غزو روسيا لأوكرانيا مؤخراً من تقليل شراء الغاز الروسي من قبل أوروبا رغبة في معاقبة روسيا وهذا ما أدى لتضرر قطاع الطاقة الأوروبي وارتفاع أسعار الكهرباء في القارة العجوز، فهل تمثل الطاقة النووية الحل؟ وهل أن التلويح بها كالعصا السحرية سيحل هذه المعضلات ويلبي نمو الطلب على الطاقة، هذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذا المقال.

في البداية الكهرباء النووية ليست نظيفة كما نعتقد، أنما هي أنظف من الكهرباء الأحفورية نسبياً، حيث تطرح انبعاثات غير مباشرة بسبب إنشاء وتصنيع وصيانة المفاعل وملحقاته من محطه حرارية ومحولات وخطوط نقل طاقة، فهذه المحطات النووية تستهلك كميات مهولة من الفولاذ والخرسانة والألمنيوم في تصنيعها ونقلها ونصبها، لذا للمقارنة فإن كل ميغاواط.ساعة كهرباء تنتج 100 كغم من غاز ثاني أوكسيد الكاربون إن تم توليدها بالطاقة النووية، بينما تنتج 200 كغم من ثاني أوكسيد الكاربون إن تم التوليد بالغاز، وتنتج 400 كغم من ثاني أوكسيد الكاربون إن تم التوليد بالفحم. لذا فرغم إيجابياتها في تقليل الانبعاثات إلا أنها تبقى خطرة، حتى لو كانت هذه الخطورة واحد بالمليون، فحادثة فوكوشيما في اليابان أثبتت أن أعلى إجراءات السلامة وأفضل معايير الأمان قد تخفق في مواجهة ظروف خارجية قاهرة، فحوادث المنشآت النووية لا تقاس بعدد الإصابات أو الوفيات ولا التشوهات الخلقية والكلفة الهائلة لمعالجة البيئة من الإشعاعات والحاجه للتخلي عن كميات هائلة من المزروعات والماشية التي لوثتها السحابة النووية، إنما بإجبار الناس على التخلي عن جزء من بلدهم يصبح غير مسكون، لذا فالكلفة الكلية لأي حادثة منفردة تكون هائلة ولا يمكن تحملها، فمثلاً دول ذات مساحات كبيرة وفيها مناطق غير مسكونة مثل أميركا وروسيا والهند والصين لا تزال تستخدم الطاقة النووية، بينما دول مكتظة بالسكان ولا توجد فيها مناطق فارغه مثل ألمانيا وانكلترا واليابان وإيطاليا تخلت عن الطاقة النووية رغم تفوقها التقني لأن أي مجازفة غير مسموح بها في هذه الدول محدودة المساحة، فالمخطط لمشروع الطاقة النووية يجب أن يضع في الحسبان عند اختيار موقع المحطة احتمالية الإغلاق الكامل وتهجير السكان وإعادة إسكانهم في مكان أخر، وهذا بدوره يجعل المحطات النووية في أماكن نائية بعيدة عن التجمعات البشرية والمدن الكبرى المستهلكة للطاقة، مما يجعل نقل الطاقة مكلفاً بسبب خطوط النقل الطويلة ويسبب ضائعات.

مشاكل أخرى للطاقة النووية منها شروط السلامة ومعايير الأمان العالية وتكنلوجيا التشغيل المعقدة التي تجعلها غير مناسبة للكثير من الدول النامية التي تشكل غالبية نمو الطلب على الطاقة، كما تبرز مشكلة تخصيب اليورانيوم من حيث الكلفة والتقنية وهذا يجعل المحطة مرتبطة بالشركة الأجنبية التي أنشأتها طيلة عمرها، كما يبرز احتمال انتشار تكنلوجيا التخصيب التي قد تستخدم لأغراض عسكرية، فهل يمكن تخيل دول العالم الثالث وهي تمتلك اسلحه نووية تستخدمها في صراعاتها الإقليمية؟!.

كذلك فإن مدة الإنشاء للمفاعل طويله بحدود 6 سنوات بينما المحطات الغازية تنتج كهرباء خلال سنتين، كما تبرز مشكلة الكلفة الأولية الكبيرة للمفاعل ومصدر التمويل وسعر الفائدة الذي يجعل مدة استرداد رأس المال تصل لـ12-15 سنة ليكون مربحاً تجارياً. كما تبرز مشكلة التخلص من اليورانيوم المستنفذ التي تحتاج تقنية وكلفة كبيرة، إضافة لمحدودية خامات اليورانيوم في الطبيعة ومحدودية البلدان التي تتواجد فيها، فاحتياطي اليورانيوم لا يكفي العالم أكثر من 100 سنة وفق معدل الاستهلاك الحالي حيث أنها تسهم بتوليد 10% من كهرباء العالم، لذا لو أردنا مضاعفة كمية التوليد هذه خمس مرات، فحينها ستنضب احتياطات اليورانيوم خلال 20 سنة، أما لو استخدمت تقنيات أخرى للتنقيب أو لاستخلاص اليورانيوم من البحار فهذا سيزيد من كلفة اليورانيوم 10 أضعاف وهذا سيجعله غير ممكن تجارياً ولا مجدي اقتصاديا، كما تبرز مشكلة التخلص من المفاعل بعد نهاية عمره الافتراضي وكلفة عزله وغلقه بشكل محكم وهذا يكلف كثيرا مقارنة بإغلاق محطة تعمل بالغاز أو الفحم.

مشكلة أخرى تواجه المحطات النووية وهي حاجتها لمصدر مياه للتبريد، لذا يجب أنشاؤها أما على مجرى نهر أو بحيرة كما حصل مع مفاعل تموز في التويثة قرب نهر الفرات أو تنشأ على ساحل البحر مع محطة تحلية تستنزف جزءاً من طاقتها لتحلية المياه، ففي هذه الحالة ستنقص كفاءة المحطة بسبب توجيه جزء منها لتحلية ماء البحر لتبريدها، وفي كلتا حالتي الأنهار أو ساحل البحر تعد هذه المناطق هي الأكثر اكتظاظا بالسكان والأكثر نشاطاً اقتصادياً، لذا لا يمكن المجازفة باحتمالية إغلاقها حتى لو كانت هذه الاحتمالية ضئيلة جدا، فلا يمكن إنشاء محطه نووية في عرض الصحراء، فمحطة أبو ظبي النووية مثلا على ساحل الخليج العربي وكذلك محطة مرسين النووية في تركيا على ساحل البحر المتوسط.

كل هذه العوامل مجتمعه قللت انتشار الطاقة النووية وجعلتها تنمو ببطء، بحيث حافظت على نسبة 10% من توليد الكهرباء العالمي منذ الثمانينات، اليوم يوجد 439 مفاعل (مفاعل وليس محطة نووية لأن المحطة غالبا تحوي عدة مفاعلات)، يعمل حول العالم والعدد لم يزدد تقريباً منذ التسعينات حيث كان يوجد 400 مفاعل بينما ازدادت سعة التوليد من 300 غيغاواط.ساعة في التسعينات لتصل لـ390 غيغاواط.ساعة اليوم، لذا فالزيادة محدودة طيلة الـ25 سنة الأخيرة، حيث تقوم بعض البلدان ببناء مفاعلات جديدة وخصوصاً في الصين والهند بينما تتخلى أوروبا واليابان المكتظتين بالسكان عنها، فخلال السنوات الست الأخيرة أنشأت محطه نووية واحدة فقط في الولايات المتحدة وهي الدولة الرائدة على مستوى العالم في الطاقة النووية وصاحبة المركز الأول عالميا في كمية توليد الكهرباء النووية، بينما تستعد لإغلاق محطة ديابلو النووية في ولاية كاليفورنيا بسبب انتهاء عمرها الافتراضي وارتفاع تكاليف تجديدها، وبذلك ستكون ولاية كاليفورنيا الأكثر تقدما تقنيا بدون أي مفاعل للمرة الأولى منذ بداية الستينات.

في النهاية، الكلفة النهائية للكهرباء النووية تعادل كلفة الكهرباء بالفحم وأقل من كلفة الكهرباء الغازية ولكن للأسباب المذكورة فإن الطاقة النووية لم تنتشر على مر العقود الماضية، وسيبقى انتشارها محدوداً مستقبلاً، لذا لا تمثل الطاقة النووية الحل لتلبية النمو على الطاقة، وهناك الكثير من الدراسات والتحليلات خلصت الى نفس هذه النتيجة.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك