العراق اليوم

محاضر مجاني

مصدر الخبر / الصباح

 سعد تركي
 
منذ أن اضطررتُ ـ بحكم الحاجة ـ إلى اقتطاع حديقة البيت وبيعها في سنوات الحصار، أصبح أبو محمد، كهربائي السيارات، جاري وصديقي.. جاري بحكم السكن طبعاً، أما الصداقة فقد فرضها عليّ بتعسف مستغلاً حياءً متأصلاً في طبعي يمنعني من عدم التجاوب مع أحد مهما كان مزعجاً ولحوحاً.
حين اشترى أبو محمد الحديقة بنى بيتاً شاهقاً “دبل فاليوم” وبالغ في فخامته بما جعل بيتي قزماً مشوهاً ينخره القِدم. قال لي: بيتك “خنيث” لأنه من طابق واحد، انظر إلى بيتي كأنه أسد. في الحقيقة ابتلعت الإهانة دون أن أردّ أو أبرر.
أبو محمد الذي يدير عدداً من ورش تصليح السيارات وبضع محطات غسل وتشحيم، وبالكاد يقرأ ويكتب، حريص جداً على أن يكون ابنه الوحيد بين ست بنات متعلماً حاصلاً على أرقى الشهادات الجامعية، ويتعين ـ مثلي ـ في وظيفة حكومية يلبس القاط والرباط وتُخصص له سيارة حكومية تأخذه إلى الدائرة وتعيده للبيت.
حاولتُ أن أثنيه كثيراً عن رغبته، فالولد لم تكن به أيّ رغبة في الدراسة، ومثل أبيه يعشق عالم السيارات ويفهم فيها، رفض أبو محمد الفكرة بشدة. وحين ذكّرته بأن ابني ترك الدراسة ويعمل لديك، قال: أريده أن يكون مثقفاً يتكلم مثلك ويعرف أشياء من الحياة غير أسماء السيارات وكيفية تصليحها. كنتُ أعرف من البداية أنه معجب كبير بالموظفين الحكوميين، برغم أني أحسده على أعماله المربحة وبيته وسيارته الفخمين وسفرياته إلى الخارج.. كنت أشعر بالرثاء على هوسه بنيل ابنه شهادة أهمل بسببها عمله.
قبل أيام زرته بعد أن افتقدت سلامه الحار في ذهابي وعودتي إلى الدائرة. آلمني انكساره ونظراته الحزينة. علمتُ أنّه خسر أغلب ورشه وجميع محطات غسل السيارات.. هنأني على الورشة التي افتتحها ابني، فسألته عن ابنه، قال بحسرة: أصبح محاضراً مجانياً. وبعد دقيقتي صمت عرض عليّ شراء بيته.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك