العراق اليوم

قيمة الرأي العام العراقي.. (أسئلة شجاعة)

مصدر الخبر / وكالة نون

بقلم: نعمه العبادي

مثل إتساع الفضاء العام للمشاركة في نقاش ومداولة وتقرير القضايا العامة، أهم متغير في مسيرة الحياة السياسية، إذ اصبح (حجم وقيود وفضاء وأهمية) مشاركة الجمهور العام في الشؤون السياسية، المقياس الاهم لصلاحية الانظمة السياسية، وهو ما تسعى كل الشعوب للوصول إليه.
فتح التغيير في نيسان 2003 الفضاء العراقي العام على مصراعيه، ليتاح لكل الناس بمختلف مستوياتهم الحديث في كل شيء، ولم يكن هذا المعطى منجزا سياسيا مخططا له، وإنما فرضته حزمة ظروف، لا مجال لتناولها، إلا انه ومع كل محاولات التقييد والكبح التي ظهرت تحت مسميات مختلفة (لاحقا)، ظل هذا الفضاء متاحا بمقدار لا بأس به، بل، هو الافضل من بين كل الدول العربية، فضلا عن دول اخرى.
هذا المقال المقتضب، غير معقود لتقييم مدى حرية وسعة الفضاء العام، بل لطرح اسئلة واستفهامات، تتعلق بمدى تأثير الرأي العام العراقي، ونقاشات النخبة بمظاهرها المختلفة في مجريات الاحداث السياسية وخصوصا في توجهاتها المصيرية.
قد يجادل البعض ممن يؤمن بفكرة التغيير عبر نشاط الجمهور في الفضاء العام حول حقيقة الاسباب التي تكمن وراء تحقيق جملة من الانجازات والخطوات او في دفع المشهد السياسي بهذا الاتجاه او ذاك، إلا انني (وبعيدا عن لغة التشاؤم) ارى ان مقدار ما تغير بظل ضغوط وتوجهات الرأي العام لا يتجاوز مسائل شكلية، وان كل التسويات والقضايا والامور المصيرية تحققت (إما عبر إرادة القوى السياسية وصفقاتها ونشاطاتها ورغباتها او بضغوط من عوامل خارجية مباشرة او غير مباشرة).

في كل اسبوع او شهر يتم اضافتي الى مجموعة او تجمع او مسمى نخبوي او جماهيري منشغل بالشأن العام، وتحت مسميات مختلفة وبتوجهات مختلفة، وحالما ادخل، اجد صخب النقاش، والاهتمام في مجادلة الامور، والتعرض لكل صغيرة وكبيرة، وتقديم الآراء والطروحات، والنقد والتقويم، والمجاملات الشخصية وعلاقات الصداقة التخادمية، ويستغرق ذلك ساعات من اوقات الجميع، ثم، ينام الجميع والمشهد محله، لم يتزحزح شعرة من خلال هذا الضغط، بل، تحركه إرادات اخرى، مع وجود عدد كبير من المعنيين بهذا الشأن ضمن هذه التجمعات.

السؤال الاهم: اين يكمن الخلل في عدم قدرة هذا النقاش وهذا الرأي العام الواسع على تغيير الامور بشكل ايجابي، هل يعود ذلك لقصور ادوات هذا الرأي من بلوغ مرحلة التأثير، ام ان طبيعة المشهد السياسي مصمم بطريقة عصية على اي مؤثرات جماهيرية، ام ان هناك ارتكاز لدى قوام المشهد السياسي بعدم اهمية مداولات الفضاء العام ومخرجات الرأي الجماهيري؟ هل وضعت النخب بمختلف مسمياتها والتي تشغل هذا الفضاء الازرق ليل نهار، اهدافا معقولة وواضحة للتغيير ولاحداث منجز حقيقي، ام انها تتلهى بالحديث ولا هم لها سوى تحقيق ذاتها في هذا المنتدى او ذاك؟ هل هناك مؤسسات واقعية شفافة طرحت استطلاعات رأي حقيقية قيمت نقاش الرأي العام ومدى اثره ومشاكله وتحدياته؟ هل استخلفت النخبة السياسية الارث الدكتاتوري بحيث لا تؤمن بأي رأي عام؟ هل راجعت النخب وصناع الرأي العام والنشطاء اساليبهم ورسالتهم وفحصت قدرتها على التاثير ومدى موضوعيتها وملائمتها للعمل في ظل النظام السياسي القائم؟ وهل تملك تلك الجهات تراتبية واضحة في طريقة تحقيق مطالبها؟ هل تساهم المؤسسات السياسية القائمة في بناء وتعضيد الرأي العام ام تدفع إلى تهوينه وتجهيله؟ من هم قادة الرأي الحقيقيون الذين لهم الكلمة المسموعة (اذا كانت هناك كلمة مسموعة) وما هي توجهاتهم؟

اود ان اختم هذه الاسئلة بملاحظتين:
– الاولى: ان ترك الرأي العام دون توظيف حقيقي، ودون اهتمام، يعني التوجه بالامور إلى أحد اتجاهين كلاهما اخطر من الآخر، الاول، الايحاء بعدم جدوى اي فعل جماهيري يتم عبر القوة الناعمة واستثارة محفزات اشكال التعبير الاخرى، والثاني، الاصرار على سد الأذان وأخذ الامور الى نهاية مظلمة مهما كانت العواقب.

– الثانية: وبعيدا عن التصنيفات المذهبية والقومية، ارى تضخم في نشاط منتديات الرأي والفضاء العام الشيعي بالقياس الى المكونات الاخرى، فالجمهورين الكردي والسني في المحافظات الغربية منخرطون بشكل اقل بكثير مما هو الحال بالنسبة لنظرائهم في المحافظات الشيعية، كما، ان مناقشة سلوك ونشاط ومخرجات القوى السياسية هناك اقل بكثير مما يجري عندنا، مما لا شك فيه، ان الفارق السكاني، والخصوصيات السياسية وعلاقة القوى الشيعية بإدارة الحكم بشكل مباشر يبرر درجة من التفاوت، ومعظم نشاطهم يكون ضمن المنتديات التي تركز على القوى والشخصيات الشيعية بشكل اخص، ولكن لا يبرر الفارق الكبير بين الطرفين، وفي هذا الاتجاه، من المناسب معرفة الميكانزمات التي يعمل بها الجمهور والرأي العام في تلك التكوينات وطريقة تعاطيه مع قواه السياسية وكافة التفاصيل الاخرى.

اتمنى ان تحظى هذه الاسئلة بما تستحق من النقاش الجاد والمجدي بعيدا عن تغليب فكرة العلاقات الشخصية في مناقشة الامور المهمة.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك