العراق اليوم

العراقيون يحاربون أنفسهم بهراوة "التطبيع"!

مصدر الخبر / الاخبار

تهيمن تهمة “التطبيع” (مع إسرائيل) بقوة على سوق المزايدات الدينية والسياسية في العراق هذه الأيام، فبعد أن استلّه تجمع قوى “الإطار التنسيقي” غير المتجانسة، بوجه تحالف قوى “إنقاذ وطن” المتصالحة، رد التيار الصدري على رافعي هذه الهراوة، بهراوة أقوى منها وهي طرح مشروع قرار في البرلمان لـ”تجريم التطبيع”، لسحب البساط من المتشدقين بهذا السلاح، وخطف “الموقف المعنوي” من أيديهم.
غير أن “الإطار التنسيقي” الموالي لإيران، جهارا نهارا، استلَّ هراوة أخرى أقوى منها، وهي أن يشمل قرار تجريم التطبيع “قطع العلاقات مع كل الدول التي تقيم علاقات مع إسرائيل”! أي مقاطعة العالم أجمع، وربما مغادرة كوكب الأرض كليا والالتحاق بالمريخ، الذي يقول العلماء إن هناك بيئة صالحة للعيش فيه، إذ لوحظ وجود كائنات، يعتقد بأنها خفافيش، تحلق في سمائه الحمراء!
القوى (السياسية) العراقية تزايد على بعضها البعض من أجل الوصول إلى السلطة، ومواصلة التحكم بالبلد وإيصاله إلى درجة أدنى من الحضيض الحالي، خصوصا في هذه المرحلة التي ارتفعت فيها أسعار النفط إلى مستويات قياسية، “فخيرُ البرِ عاجلُه”، لأن أسعار النفط يمكن أن تهبط قريبا إذا ما وقفت الحرب الروسية الأوكرانية، وعندها ستتناقص المنافع المتأتية من عائدات النفط، وتفوت الفرصة على المتربصين المرِّيخيين.
لا يوجد، على ما يبدو، بين هؤلاء السياسيين من ينظر أبعد من الوصول إلى كرسي الحكم، فمصلحة العراق ليست أولوية عند كثيرين منهم، هذا إذا توهمنا بأنهم يؤمنون بدولة العراق، أو يرغبون في قيامها.
ولكن، حتى لو نظرنا إلى الأمر من زاوية الساعين إلى النفع المادي المؤقت، ألا ينظر هؤلاء، إن كانوا عقلاء، إلى الأخطار المحدقة بالعراق، التي يمكن أن تنتج عن هذه المزايدات المفضوحة؟ ألا يخشون على وجودهم ومستقبلهم حينما تحل كارثة أعظم بالعراق؟
لو أن العراق الآن أصدر قانونا يجرِّم التطبيع، حسب مقترح “الإطار التنسيقي” بقيادة نوري المالكي، ويقطع العلاقات مع كل الدول التي تقيم علاقاتٍ مع إسرائيل، فماذا يعني هذا على أرض الواقع؟
إنه يعني أن العراق سيقطع علاقاتِه بمعظم دول العالم، ما عدا إيران المحاصرة دوليا وغير المنسجمة مع أي دولة في العالم، وربما أفغانستان، التي لا يقيم العراق معها علاقات، ولا تعترف بحكومتها أي دولة في العالم، وأنه لن يستطيع أن يبيع نفطه أو يشترى السلع والبضائع حتى من روسيا والصين والهند وتركيا والأردن ومصر.
ولن يستطيع مواطنوه، بحكم هذا القانون، أن يسافروا للدراسة أو العلاج أو التجارة أو السياحة إلى أي دولة، باستثناء إيران، كما أنه لن يستطيع أن يشتري السلاح من أي دولة في العالم كي يدافع عن حدوده وأمنه ضد الأخطار الخارجية، خصوصا الجماعات الإرهابية التي تتربص به من كل جهة.
ولكن، يمكنه بالتأكيد أن يبيع النفط في السوق السوداء، بنصف السعر أو ربعه، كما كان داعش يفعل عندما سيطر على حقول نفط في سوريا والعراق، ويشتري البضائع والسلع والسلاح من السوق السوداء نفسها، بأسعار مضاعفة!
إن هذا القانون المقترح سيعزل العراق عن باقي دول العالم ويربطه بدولة واحدة فقط، ولكن حتى هذه الدولة (المقدسة)، التي تحاول قوى (سياسية) عراقية تقليدها، تعاونت مع إسرائيل عندما اقتضت مصلحتها ذلك، واشترت منها السلاح، وتبادلت معها المعلومات العسكرية، طوال فترة الحرب العراقية الإيرانية، بما في ذلك تقديم خرائط المفاعل النووي العراقي لها، والتي حصلت عليها عبر الصور التي التقطتها الطائرات الإيرانية أثناء غاراتها على بغداد.
التعاون الإيراني الإسرائيلي أمر معروف، رغم أنه غير معلن، ومن يراجع سجلات فترة الثمانينات، من أخبار وتقارير وتحليلات وصور، إضافة إلى الكتب التي كتبت عنها، سيطلع على التعاملات المباشرة بين إيران وإسرائيل، وأهمها مبيعات الأسلحة الأمريكية التي بلغت قيمتها ملياري دولار في العام، والتي تؤكدها الكتب الرسمية للمسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين حينها، خصوصا مستشار الامن القومي آنذاك، روبرت مكفارلين، ومدير وكالة المخابرات (سي آي أيه) وليام كيسي، والمسؤول الرفيع في وزارة الدفاع الإسرائيلية، الجنرال أفراهام تامير، والمسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ديفيد كِمحي، بينما كان الوسيط فيها هو تاجر الأسلحة الإيراني، مانوشير قوربانيفر، الذي مات في ظروف غامضة لاحقا، يقول أقاربه إنه اغتيل، كما صرح بذلك أحدهم في برنامج بثه التلفزيون البريطاني في تلك الفترة.
وفي مذكرة رسمية بعثها مستشار الأمن القومي الأمريكي، روبرت مكفارلين، إلى وزير الخارجية، جورج شولتز، بيَّن فيها أن الموافقة الأمريكية على بيع إسرائيل أسلحة أمريكية لإيران لها بُعدان، الأول قصير الأمد، وهو ضمان إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين السبعة في لبنان الذين تحتجزهم جماعة مرتبطة بإيران، والثاني هو التأسيس لحوار سري مع المسؤولين الإيرانيين حول مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. وفعلا، تدخلت إيران لدى الخاطفين فأطلقوا سراح الرهائن جميعا.
من ناحية أخرى، فصَّل وزير الخارجية البريطانية الأسبق، جاك سترو، العديد من أوجه التعاون الإيراني الإسرائيلي في كتابين، الأول بعنوان “المَهَمَّة الإنجليزية” (The English Job) والثاني بعنوان “الرجل الأخير الواقف”، (Last Man Standing). ومن هذه الأوجه هو التعاون العسكري بين إيران وإسرائيل ضد العراق في فترة الثمانينيات، والسماح لسبعين ألف يهودي إيراني بالهجرة إلى إسرائيل! ولا ننسى أن إيران كانت ثاني دولة إسلامية تقيم علاقات مع إسرائيل عند تأسيسها، بعد تركيا، التي ما زالت تتمتع بعلاقات جيدة مع إسرائيل، رغم أن حكومتها تنتمي إلى الإسلام السياسي.
وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، سعت إيران، عبر وساطة قامت بها الحكومة السويسرية، بأنها مستعدة للتوصل إلى “صفقة كبرى” مع الولايات المتحدة تعترف بموجبها بإسرائيل، مقابل رفع العقوبات الأمريكية عنها، لكن الأمريكيين رفضوا العرض، (جاك سترو، الرجل الأخير الواقف، ص 448). ويرى سترو أن الرفض الأمريكي لهذا العرض كان خطأ أمريكيا يضاف إلى سلسلة الأخطاء الأمريكية المتتالية.
ومن الجدير بالذكر أن جاك سترو سياسي يساري بريطاني ينتمي إلى حزب العمال المتعاطف مع القضايا العربية والإسلامية، تولى مناصب عديدة بينها وزارات الداخلية والخارجية والعدل، وهو شخصيا من أصول يهودية ويقف موقفا إيجابيا من إيران، بل ذكر في كتابه أن الأمريكيين كانوا يسمونه “جاك الطهراني”، (الرجل الأخير الواقف، ص 453)!
المزايدات السياسية حول التطبيع في العراق هي محاولات مفضوحة لخداع العراقيين، وتصوير الخلاف بين الكتل السياسية على أنه “حول المبادئ والقيم”، كما ادعى هادي العامري، رئيس مليشيا بدر أخيرا، والحقيقة أنه حول المغانم ومصالح الأشخاص الذين ربطوا أنفسهم بإيران، على حساب مصلحة العراق وسيادته واستقلاله. هؤلاء يخشون الملاحقة القضائية على الجرائم والسرقات والمخالفات التي شاركوا فيها أو أشرفوا عليها خلال الفترة الماضية، لذلك فإنهم لن يطمئنوا إلا عندما يكونون في الحكومة كي يحموا أنفسهم.
التطبيع ليس عملية تُتَّخذ بقرار عاجل، بل يتطلب في بادئ الأمر تفاهما مشتركا بين حكومات الدول المعنية حول الحلول المقترحة للمشاكل القائمة. وهو محاولة لنزع الكراهية والشك بين الدول، واستبدالهما بحسن الظن والتفاهم حول المصالح، تجنبا للتصادم والاقتتال المدمر.
والتطبيع لا يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما هو صيرورة تستغرِق عقودا من الزمن، تبدأه الحكومات، لكنه يعتمد بالدرجة الأولى والأخيرة على القبول الشعبي في الدول المعنية، وهذا غير متوفر في العراق، الذي يهيمن عليه الخطاب الشعبوي الطوباوي منذ تأسيسه وحتى الآن، وهذا الخطاب هو دون شك أهم سبب لتأخر البلد وضعفه وفقره وتخلفه، إذ دأب قادة العراق، السابقون والحاليون، على تضليل الناس به، من أجل إخفاء فشلهم ومشاريعهم البعيدة عن المصالح الوطنية.
لقد بذلت مصر، وهي أولى الدول العربية التي عقدت معاهدات سلام مع إسرائيل وأقامت علاقات دبلوماسية معها، جهودا للتطبيع مع إسرائيل، لكن نجاحها مازال محدودا. ففي استطلاع للرأي أجري عامي 2019/2020، أعرب 13% فقط من المصريين أنهم يؤيدون التقارب مع إسرائيل، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بفترة السلام وجهود التطبيع التي مر عليها 44 عاما.
القوى السياسية الساعية لخدمة شعوبها لا تتردد في اتخاذ القرارات التي تدعم استقلالها وتعزز علاقاتها الدولية وتنمّي اقتصادها وتزيد رفاهية مجتمعاتها، أما المزايدات السياسية على حساب الشعوب ومصالح الدولة، فلا يلجأ إليها إلا المخادعون المجردون من القيم الوطنية والإنسانية، وهي خُدعٌ لم تعد تنطلي على الشعوب الواعية في عصر المعلومات والاتصالات.
الدول العربية التي أقامت علاقات مع إسرائيل، ابتداء من مصر والأردن وانتهاءً بالمغرب والسودان، لم تتخلَ، ولن تتخلى، عن دعمها للحق الفلسطيني، لكن الظروف الدولية المتغيرة والمصالح الوطنية لشعوبها حتمت عليها أن تغير سياساتها، كي تتلاءم من النظام الدولي المتغير، ولا تبقى حبيسة لأيديولوجيات طوباوية برهنت على فشلها يوما بعد آخر، ولم تجلب غير الكوارث على الدول والشعوب العربية والحق الفلسطيني في آن.
ليس مطلوبا من العراق أن يطبّع علاقاته مع إسرائيل، والمسألة غير مطروحة أصلا، وكل ما في الأمر أن القوى التابعة لإيران تتهم كل من يرفض التبعية لإيران بأنه يسعى للتطبيع مع إسرائيل، محاولةً استغلال مشاعر العراقيين الجياشة تجاه فلسطين وشعبها، بينما إيران نفسها كانت مستعدة لإقامة علاقات مع إسرائيل عام 2003، وهي بالتأكيد لن تتردد في ذلك إن تطلبت مصلحتها ذلك، حتى في ظل النظام المتشدد الحالي، الذي يعتقد قادته بأن هذا الخطاب المخادع وغير الجدي نافع، ويعزز موقف النظام المعنوي ضد الدول العربية والإسلامية.
والحقيقة أن إيران تستخدم الخطاب المعادي لإسرائيل للضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية عموما كي تحقق بعض المكاسب الآنية للنظام الحاكم.
لقد آن الأوان أن يتخذ الشعب العراقي موقفا واضحا من هذه القوى (السياسية) التي تسعى لتضليله واللعب على مشاعره والعبث بمصالحه، باسم المبادئ والشرف والوطنية والدين. وظيفة السياسي هي إدارة المجتمع والحفاظ على السلم الأهلي والتماسك المجتمعي وتحقيق النمو الاقتصادي وتطوير الخدمات وتوفير الوظائف، وليس تأجيج الصراعات والتشدق بالقيم والأخلاق والدين دون وجود مصاديق لها على أرض الواقع.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك