العراق اليوم

قراءة في معركة الشعبين اللبناني والعراقي الأنتخابية

مصدر الخبر / الاخبار

خاض الشعبان العراقي واللبناني معركة حامية للأنتخابات البرلمانية بقاسم  مشترك واحد هو كسر شوكة التسلط الأيراني على مقدراتهما من خلال كسر سطوة ميليشياتها المسلحة على الدولة ومؤسساتها بما فيها على البرلمان في كلا البلدين. وقد نجح الشعبان في شق بداية الطريق لأنهاء سيطرة طهران وميليشياتها على مقدراتهما من خلال التصويت لممثلي قوى السيادة والدولة وهزيمة قوى المشروع الولائي المدعومة بالميليشيات المسلحة الذي يسمى نفسه محور المقاومة ويدعي انه سيقوم بتحرير فلسطين, وهو الشعار الذي تختفي خلفه طهران لأقامة امبراطوريتها تحت أمرة ولاية الفقيه المعادل الشيعي لأقامة دولة الخلافة عند الأخوان والسلفية الوهابية. أنها بلاشك ضرية موجعة وقوية وجهها الشعبان لهذا المشروع الرجعي التوسعي الأيراني, ففقدان صيد ثمين كهذا بثقل العراق الأقتصادي والثقافي وكمركز للتشيع, ولبنان كمركز للتنوير الحضاري والفكري في منطقة الشرق الأوسط يمثل ضربة موجعة لمشروع طهران, فهما أهم بلدان في الشرق الأوسط لتوفر قدر معقول من النظم والدساتير الديمقراطية  التي حاولت طهران التسلل من ثغراتها, وخصوصا الطائفية, حيث يتجمع في البلدين كل الطيف الديني والعرقي والقومي المعروف في الحضارات القديمة والحالية للشرق الأوسط.   أنها معركة ايضا   للحد من أنهيار الدولتين ومؤسساتهما, ولوضع حد للفساد السياسي والمالي والحكومي الذي فرضه ومارسه الأسلام السياسي وميليشياته المسلحة فيهما منذ قرابة خمسة عشرة عاما وفق مخطط بسط النفوذ ألأيراني لأضعاف الدولة والسلطة فيهما تمهيدا للأنقضاض عليهما كما حدث في اليمن.  وبحلول عام 2018 وصل الى ذروته بعد الأنتخابات التي جرت في البلدين و أحرز الولائيون فيهما نجاحات كبيرة  لم يكن يحلم  بها ايات الله في طهران,  وصرح الجنرال سليماني وقتها أن ايران أضحت تسيطر على أربعة عواصم عربية هي العراق ولبنان و سوريا واليمن.
 الواقع ان النفوذ الأيراني بدأ يمتد بشكل واسع في هذه اليلدان منذ عام 2011, أي منذ أنسحاب القوات الأمريكية من العراق و ابتداء مايسمى الربيع العربي وبدء سيطرة الأخوان على تونس ومصر وتمددها في سوريا بدعم تركي-قطري لتكوين دولة الخلافة الأخوانية بقيادة أردوغان.  وفي نفس الوقت نشطت القاعدة وداعش الوهابيتين في سوريا والعراق لتاسيس الخلافة السلفية . وكان رد طهران بدء تطبيق المشروع المضاد لأقامة الخلافة الشيعية لأية الله الفقيه وتقاسم الشرق الأوسط مع أردوغان.
 أن الأستراتيجية التي أستخدمتها طهران لتحقيق مشروعها هو  التهيئة والتدريب  والتسليح الواسع والنوعي للميليشيات في هذه الدول الأريعة بحجة مجابهة القوى التكفيرية لداعش في سوريا والعراق ولبنان واليمن وأكسابها دعما شعبيا وقانونيا لمجابهة الهجمة السوداوية المرعبة لداعش وأدواتها, خصوصا في سوريا والعراق والذي اصبح يهدد  كيان هاتين الدولتين بالذات. ولكن فشل المشروع الأخواني الأردوغاني على يد الشعب المصري وبقيادة السيسي عام 2013 وتحول السعودية والأمارات للتحالف القوي معه ضد الأخوان بصعود شابين أصلاحيين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد الى السلطة ,  وأنهزام داعش عام 2015 على يد التضحيات الكبيرة للشعب العراقي وقواته المسلحة وبدعم من التحالف الدولي تم أعادة السيطرة على المنطقة وأفشال مشاريع الخلافة الأخوانية والخلافة السلفية الوهابية لداعش والنصرة, ولكن ما بقي على قيد الحياة بعد 2015 هو المشروع الأيراني, بل حدث العكس, حيث قويت ميليشياتها في المنطقة بأدعاء أنها هي من جابهت داعش وأنها الدرع الواقي ضد عودتها وأنها الضمان للحفاظ على الدولة. ومن هذه اللعبة المركبة (اي أنها حاربت داعش لأسباب اقامة المشروع الأيراني المنافس)  اكتسبت هذه الميليشيات شرعية وجودها بشكل أقوى من القوات المسلحة  وبه تمكنت طهران من بسط نفوذها تدريجيا بشكل علني على الدولة والمؤسسات وعلى الحياة السياسية والأجتماعية في العراق ولبنان ومثلها في سوريا واليمن. واستخدمت طهران في لبنان والعراق  تكتيكا قذرا: شراء ذمم سياسيي الطوائف السنية والمسيحية والدرزية وحتى الأرمنية وألأرثوذكسية في لبنان والسنية وبعض الكردية والمسيحية والأزيدية والشبك والتركمان في العراق وقامت في السيطرة  على البرلمانات فيهما في أنتخابات عام 2018 وحصولها على الأغلبية البرلمانية وقامت بأستيزار الساسة الفاسدين من جميع الطوائف وضمان حمايتهم من القضاء والمحاسبة  ليشهد البلدان العراق ولبنان أنهيارا تاما للخدمات الأساسية , حيث تم مثلا نهب أكثر من 500 مليار دولار في العراق خلال 10 سنوات فقط من تولي التشيع الأسلاموي على مقاليد السلطة في العراق بقيادة حزب الدعوة (النظير الشيعي للأخوان في العراق ويحمل نفس مشروعهم) . وبعد فرض الحصارالدولي على طهران عام 2018 أستطاعت وحزب الله من تجاوز العقوبات الدولية من خلال الفساد الحكومي العراقي وتهريب الأموال لأيران وعصابات حزب الله, وكذلك من خلال الأتجار الواسع بالحشيش من لبنان  الى سوريا  الى الأردن  ومن ايران الى العراق وبلدان الخليج على يد عصابات حزب الله والميليشيات التابعة للحرس الثوري الأيراني بحيث وصل الأمر ان قرابة نصف الشباب العراقي اصبح ضحية للمخدرات وفق معطيات وزارة الداخلية العراقية عام 2021.  ولم تكتف بالحشيش , فقد قامت الميليشيات الولائية بشن حرب داخلية بأسلوب وطرق حركة الحشاشين في القرن الحادي عشر لأبي الحسن  الصباح  بالأغتيالات والتصفية الجسدية للناشطين والمدنيين والمفكرين الليبراليين والصحفيين وأدخال الرعب في عموم المجتمع.
أن مجمل أستراتيجية ايران في العراق ولبنان قامت على اضعاف وافساد الحكومات والمؤسسات وشراء سياسيي الطوائف بالمناصب والوزارات وتكريس الطائفية وأشاعة الفساد والتمويل من تجارة الحشيش وبث الرعب في المجتمع تمهيدأ للسيطرة على دول بكاملها وهي نجحت في ذلك حتى 2019.
قام الشعبان العراقي واللبناني بأعظم انتفاضتين وطنيتين لهما في العصر الحديث أندلعت كلاهما في شهر واحد في تشرين الأول ( أكتوبر) عام 2019 وشكلتا نقطة التحول لبداية الأنحسار الأيراني الميليشياوي في البلدين. أستمرت أنتقاضة الشعب العراقي أكثر من عام شارك فيها الملايين ومن جميع قطاعات الشعب وفئاته ونقاباته ومهنييه ومثقفيه  ودارت مايشبه حرب الشوارع بين المتطاهرين السلميين مع الميليشيات المسلحة وقوى الداخلية التي يسطر عليها الضباط الذين دستهم الميليشيات وأحزاب الأسلام السياسي في قيادة قوات الأمن الداخلي في بغداد ومدن الجنوب والوسط , حيث كثافة الطيف السكاني الشيعي العراقي , و قدم الشعب العراقي اكثر من 800 شهيد و30 الف مصاب وأسفرت أنتفاضتهم عن حرق ثلاثة قنصليات ايرانية وأغلاق مكاتب الفصائل الولائية وأحزاب التشيع السياسي  في المحافظات الشيعية في الوسط والجنوب , وتمكن المنتقضون من نيل دعم المرجعية الشيعية العليا في النجف الأشرف وأجبرت حكومة الولائيين على التنحي والمجيئ بالكاظمي المستقل لرئاسة الوزراء وأجبار البرلمان على تشريع قانون جديد للأنتخابات يقوم على اساس الدوائر الأنتخابية الفردية بدل التصويت لقوائم الأحزاب للأسلامويين والطائفيين . وفي لبنان سقط قرابة 350 شهيدا و8000 مصاب خلال انتفاضة الشعب اللبناني وأعادت للشعب اللبناني الثقة بالنفس بانه يستطيع كالشعب العراقي من مجابهة الميليلشيات الأيرانية المدججة بالسلاح والمال الفاسد.
لقد هيأت هاتان الأنتفاضتان الشعبان العراقي واللبناني لخوض الأنتخابات في أكتوير 2021 في العراق ومابس 2022 في لبنان لأجل أسترجاع السيادة ودحر الأفساد الولائي الأيراني  .  تمحضت الأنتحابات  في العراق بطرد أغلبية النواب الولائيين وحصول التيار السيادي الوطني على قرابة ثلثي مقاعد البرلمان (210 نائبا) بما فيهم 40 نائيا مستقلا و مدنيا من مجموع 329  نائبا, وفي لبنان خسر تحالف حزب الله الأغلبية وأسقط نواب الرشوة الأيرانية من ساسة السنة والدروز والمسيحيين والقوميين السوريين وأوصل 15 نائيا من المستقلين والمدنيين للبرلمان. أن الأنتفاضتين وما تلاهما من نتائج الأنتخابات  البرلمانية هو أستفتاء واضح للشعبين العراقي واللبناني على رفض النموذج الأيراني ورفض الميليشيات الولائية فيهما وهي ضربة مؤلمة وقاصمة لأيات الله ومشروعهم التوسعي باقامة دولة ولي الله الفقيه, خصوصا الهزيمة  التي منوا بها في العراق حيث أتت بالأساس من الطيف الشيعي الذي يمثل اكثر من 50% من السكان متمركزون في الوسط والجنوب حيث قامت الأنتفاضة التشرينية وفقد الولائيون من أحزاب التشيع والفصائل المسلحة فيها أغلبية مقاعدهم في أنتخابات 20اكتوبر 2021, عكس ما رأيناه في لبنان حيث صوت الطيف الشيعي بكامل مقاعده للولائيين لحزب الله وأمل , وهذه هي نقطة الأختلاف الواضحة بين الأنتخابات في البلدين . وعلى ما اعتقد  فأن رفض الطيف الشيعي العراقي للولائيين نابع من كونهم الأغلبية في المجتمع وحرضهم على دولتهم من الأبتلاع باسم التشيع و الدور المتأصل للتيار المدني والفكر الوطني والعمق الثقافي فيه ,  أضف الدعم من منهج المرجعية الدينية العليا  في النجف ممثلة بالسيد علي السيستاني, وهي المرجعية العليا للشيعة في العالم ,التي ترفض منهج ولاية الفقيه جملة وتفصيلا, كما وترفض أقامة الخلافة الدينية أطلاقا و تتمسك بمبدأ فصل الدين عن السياسة وهو نقطة لقائها مع العلمانيين والمدنيين في المجتمع العراقي , وكذلك الدورالسياسي الذي يقوم به السيد مقتدى الصدر الذي  يمثل مرجعا وطنيا عراقيا لأتباعه الفقراء ويلتقي به مع القوى السيادية الوطنية والمدنية , عكس مارايناه من سيطرة قوية وشبه تامة للتيار الولائي لحسن نصر الله الذي بسط سطوته على الطيف الشيعي اللبناني من خلال سطوة ميليشياته على القصبات والبلدات اللبنانية الشيعية بقوة السلاح والتهديد ولايمثل بالضرورة التوجه العام للطيف بدليل عزوف الناخبين في مناطق نفوذ حزب الله المشاركة في هذه الأنتخابات وتقلص نسبتهم عن أنتخابات 2018 بنسية كبيرة وهذه هي في الحقيقة أصوات الرافضين له ولميليشياته  وأسيادهم في طهران. أضف ان حزب الله أستثمر غزوتي أسرائيل للبنان لصالحه وشرعنة ميليشياته.  
أن ألمشتركات بين معركة الشعبين كثيرة وهي تكاد تكون معركة واحدة و النتيجة الهامة  التي وصل لها الشعبان هو تصميمهما على بناء دولتهم الوطنية المدنية بعيدا عن المشاريع الولائية الدينية وبها ربما ستكون بداية النهاية للمشروع الايراني ليلحق بمشروع اردوغان والاخوان في المنطقة.
د. لبيب سلطان
باحث وأكاديمي عراقي- كاليفورنيا      

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك