العراق اليوم

تأملات وأفكار في المدينة العربية

مصدر الخبر / الاخبار

لو كان المرء بحاجة فقط للبنايات الشاهقة والشوارع المستقيمة المرسومة على الخريطة بالمسطرة، لكنا أشرنا جوازات سفرنا وطرنا إلى أية مدينة حديثة في أميركا أو كندا أو أستراليا. بيد أن الأمر ليس كذلك بالتأكيد: فعندما يأتي الأمر إلى مدننا العربية والإسلامية ذات الخصائص المحلية، يكون الأمر مختلفًا. لذا، كان التفكير باستيراد أعلى ناطحات السحاب لاستزراعها في الصحارى العربية أمرًا لا مجديًا بحق: لأنه ممكن التحقق بفضل الفوائض المالية المستحصلة من تصدير النفط وبمساعدة شركات البناء العالمية التي تعتمد أعمدة الفولاذ العملاقة وألواح الزجاج المقوى، زيادة على الأيدي العاملة الرخيصة من دول جنوب آسيا الفقيرة لإقامة الأبنية العالية الجميلة والتي تفتقر إلى أهم شيء، وهو إلى شخصية المكان والزمان (الزمكانية) التي تسبغ عليها نوعًا من الهُوية الخاصة.
عندما فكرت الحكومة العراقية (على ستينيات القرن الماضي) بتطوير وتنمية بغداد، أحالت الأمر لشركة تخطيط عمراني من بولندا، ولا يدري المرء كيف يفكر المعمار البولندي بخصائص وخصوصيات بغداد (كالجوامع والمراقد المقدسة والمقاهي وشواطئ دجلة والمواقع الأثرية، من بين سواها) كي يخطط لتجميلها وتحديثها. لذا، كانت هذه “المقاولة” “نداءً فاشلًا”، حسب كل المعايير.
أما ما فعلته إدارات المدن العربية الأخرى، فقد عبَّر عن عقدة النقص التي تنال من وجدان السائح العربي عندما يتجول في مدينة أميركية أو كندية. أوصت هذه الإدارات باستيراد عمارات “مسلفنة” لا تحتاج لإقامتها أو “نصبها” أي من المواد الأولية المحلية: فكل شيء يأتي مهيأً وحاضرًا عبر الاستيراد، اللهم باستثناء بعض الأقواس والزخارف التي يضيفها فنانون مهجريون من أصول عربية على سبيل إسباغ مسحة محلية على البناية (المنغلة) الفاقدة للشخصية المحلية.
لذا، يشعر ساكنو البنايات الحديثة عندما تسلم مفاتيح شققها إليهم بشيء من الاغتراب، وكأنهم يوشكون على الانتقال إلى كوكب في مجرة أخرى!
لا ينبغي أن نزوق مدننا بالأقواس البابلية، ولا بالزخارف العباسية أو الفاطمية؛ كي نترك بصمة “قومية” على ما نستورد من خرائط أبنية جاهزة من العالم الغربي!

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك