العراق اليوم

فنلندا قد تنضم قريباً للناتو

مصدر الخبر / الصباح

  يان بيتر
  ترجمة: خالد قاسم
تعد فنلندا دولة محايدة منذ 80 سنة، لكنها تريد الانضمام لحلف الناتو بسبب الحرب الأوكرانية، التي دمرت آخر ملاذ للثقة بروسيا مما غيّر المزاج في هلسنكي وبقية مناطق البلاد. 
وبفضل عقود من حالة السلام في عموم البلاد، صار رجل الأعمال فالتيري ليندهولم مليونيرا، إلا أنه بدأ يستعد للحرب ويدير متجرا عسكريا في ضواحي هلسنكي، وهو متجر مساحته أربعة آلاف متر مربع، لكل من يريد الدفاع عن بلده، أو على الأقل ارتداء ملابس تمويه عند ذهابهم للصيد.
 
ويعرض المتجر سكاكين قتالية وشبكات تمويه ومعدات رؤية ليلية وسترات شتوية، معظمها معدات فائضة من القوات المسلحة الألمانية. يجهز فالتيري منذ عشرين سنة تقريبا الزبائن في فنلندا وبقية العالم، ويعد متجره الأكبر أوروبيا، وكان يكسب المال من سيناريو لم يعتقد أنه سيتحقق مطلقا.
سلّم فالتيري مؤخرا آلاف السترات الواقية ومعدات الإسعاف العسكرية الى أوكرانيا، ويقول إن عمله منتعش لكن المبيعات تزداد داخل بلاده أيضا، وكان آذار أقوى شهر بالمبيعات منذ تأسيس الشركة.
يؤكد فالتيري أنه مؤسس شركة ناشئة وليس مثيرا للحروب، ويقدم ببساطة ما تحتاجه السوق، ونجح بإنشاء معدات تمويه كنمط حياة في فنلندا. وفي عمل دعائي موّل فالتيري فيلم خيال علمي قبل سنوات قليلة، أظهر احتلال النازيين القمر سرا، وضرب مزيج الكوميديا والتنكر وترا حساسا لدى الفنلنديين وطريقتهم في الحياة. ويذكر فالتيري أن 80 بالمئة من زبائنه رجال تحت سن الأربعين، لكن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لم تعد المسألة مجرد لعب ولهو، فبلاده لديها حدود طولها أكثر من 1300 كم مع روسيا، وصار الخطر قريبا جدا، ويريد فالتيري انضمام بلاده للناتو بأسرع وقت ممكن.
نشر فالتيري في شباط رسالة مفتوحة الى رئيسة وزراء فنلندا سانا مارين، يدعوها فيها للانضمام الى حلف شمال الأطلسي، وشارك الآلاف الرسالة على الويب، ما جعله يدرك مزاج مواطنيه. 
حياد إجباري
أظهر استطلاع رأي أجري مؤخرا أن 68 بالمئة من الفنلنديين يؤيدون انضمام بلادهم للناتو، بينما يعارض ذلك 12 بالمئة فقط. وكان المزاج قبل خمس سنوات مغايرا تماما، إذ عارضت الأغلبية الانضمام للحلف، ويبدو أن الحرب الأوكرانية غيّرت جذريا مواقف الفنلنديين تجاه جارتهم الشرقية.
استمرت فنلندا بالحياد السياسي وابتعادها عن الحلف بضغط من موسكو منذ الحرب العالمية الثانية، واعتاد الفنلنديون على الحياد المفروض، وظهرت آمال بعد انتهاء الحرب الباردة بمصالحة مع روسيا. ومع أن فنلندا أرسلت قوات الى أفغانستان واشترت مقاتلات أميركية، لكن علاقاتها مع موسكو بقيت غير طبيعية.
يعد انضمام فنلندا والسويد أكبر تغيير في السياسة الأمنية منذ عشرات السنين، ويقول شارلي سالونيوس باسترناك المحلل في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية “لم يكن ذلك واردا حتى فترة قريبة مضت. وتعرض شارلي عام 2009 لهجوم شديد بعد تذكيره مواطنيه أنهم عملوا في منطقة حرب مع الناتو لسنوات داخل أفغانستان. لكن وزير الخارجية آنذاك ألكساندر ستوب نأى بنفسه عن موقف شارلي، علما أن ستوب صار مؤيدا لعلاقات أوثق مع الحلف. وفي الوقت نفسه، أصبحت مطالبات بتعاون عسكري مع دول أخرى جزءا من التيار السياسي السائد.
ترى روسيا انضمام فنلندا للناتو هزيمة حساسة بالنسبة لها، وأوضح الرئيس فلاديمير بوتين مرارا وتكرارا، أنه يريد تقليص النفوذ العسكري للحلف، كما حذّر وزير خارجيته سيرغي لافروف الدول الإسكندنافية من خطورة الانضمام. وإذا صارت فنلندا عضوا فهذا يعني أن حدود الناتو مع روسيا ستصبح أطول بكثير.
يبدو أن تهديدات روسيا قد فقدت قوتها في فنلندا مؤخرا، ويبدي فالتيري سعادته بعدم تكرار خطأ ألمانيا، في إشارة إلى سلمية الألمان الساذجة. ويلقي باللوم على واقع عدم أدائه الخدمة العسكرية على والديه المسالمين، ويقول إنه سيوصي أبناءه بأداء الخدمة.
مع ذلك، لم يكن الحياد الإجباري عذرا لعدم التصرف أو عدم التسلح في فنلندا، وعلى عكس دول كثيرة أخرى في الاتحاد الأوروبي فهلسنكي مستمرة بتطبيق التجنيد الالزامي، ويستمر الجنود الاحتياط بتلقي التدريب لسنوات عديدة. ويختار 70 بالمئة من الشباب الذكور الخدمة العسكرية، ويبقى كثيرون منهم مرتبطين بالقوات المسلحة مدى الحياة. وفي حالة الضرورة، تستطيع فنلندا ذات الخمسة ملايين نسمة تعبئة 280 ألف رجل وإمرأة بسرعة وأكثر من ذلك في المدى البعيد، لذلك إذا تحقق الانضمام، فالمنفعة ستكون مشتركة بين الطرفين.
يقول فالتيري إنه لم يخش القتال مطلقا، وجاءت فكرة متجره خلال مسابقات مع أصدقائه للعبة تدعى “أيرسوفت” وهي لعبة تجرى على طرق غير معبدة، تطلق فيها رصاصات بلاستيكية على المنافسين باستخدام أسلحة تبدو حقيقية. وهي الرياضة المثالية لبلاد تثمن السلام لكنها لا تستطيع نسيان الحرب.
 
الدب الروسي
لم تعد روسيا بالنسبة لفالتيري وجيله مجرد قوة عالمية يخشى منها، لكنها عملاق وهمي فاسد. يذكر فالتيري أنه عمل مع الروس ولم يشعر بالخوف منهم، لكنه لم يثق فيهم أيضا. ويذكره الخوف من الروس أحيانا بالأساطير الإسكندنافية، ففي التقاليد الفنلندية كان الدب حيوانا مقدسا دائما. ولجأ الأسلاف الفنلنديون الى استخدام الكناية لوصفهم من أجل عدم إثارة غضبهم بدون داع، وجرى الأمر نفسه بالنسبة لروسيا والاتحاد السوفيتي طيلة السنوات الثمانين الماضية.
لا يزال الدولة الجارة مزعجا داخل الدوائر الحكومية، ومن الأفضل عدم استخدامه كثيرا. إذ إن من يذكره سيجد نفسه أمام محرمات كثيرة، وتشمل مصطلح “الفنلدة” والمستخدم منذ عشرات السنين لوصف النفوذ السوفيتي على فنلندا، ما أثار استياء كثيرين داخل البلاد. وبعد حصول دولتهم على الاستقلال عام 1917 نجت من احتلال قوات ستالين في الحرب العالمية الثانية عبر المقاومة الشرسة، وبقي ثمن الاستقلال لعشرات السنين سيادة محدودة والحاجة لاتفاقيات وثيقة مع موسكو.
تعززت هذه العقيدة في عهد الرئيس أورهو كيكونن، استمرت رئاسته 26 سنة، لكن هذا الإرث تحول الى عبء مؤخرا، فبينما تمكنت دول البلطيق من الانضمام للناتو عام 2004 كان مجرد نقاش الفكرة أمرا محرما في فنلندا، لأن ظل الفلندة بقي حاضرا هناك.
حقيقة أن وضعا حياديا مشابها جرى اقتراحه مرارا وتكرارا في أوكرانيا خلال الأشهر الماضية، لا تثير الحماسة لدى وزارة الدفاع الفنلندية، ورفض يان كوسيلا مدير قسم السياسة الأمنية رؤية حياد بلاده كنموذج سياسي: “نحن لسنا سويسرا، لم يكن لدينا ببساطة أي بديل آنذاك.” ولا يعني الانضمام للناتو بالنسبة له الكثير من وجهة نظر عسكرية، لأن معدات جيش بلاده أكثر توافقا مع متطلبات الحلف، مقارنة مع بعض الدول الأعضاء، وتمتلك بلاده بالفعل مقاتلات أف 18 وتخطط لإنتاج طائرة أف 35 في السنوات المقبلة.
يذكر يان أن بلاده عسكريا مستعدة منذ زمن بعيد للواقع الجديد: “على عكس دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، لم نقلص كثيرا قدراتنا الدفاعية، وعرفنا دائما ما يعنيه التواجد بجوار دولة مؤثرة.” أما سياسيا فالتغيير أكثر صعوبة، ويتجنب يان الإشارة إلى جارته بالاسم لأنه لا يريد إيقاظ الدب.
نظرت وزارة الدفاع بعدة سيناريوهات مختلفة عن كيفية رد موسكو على طلب العضوية، وهناك ردود فعل مختلفة يمكن تصورها. ويقول مسؤولون عسكريون إن روسيا بعثت مهاجرين عبر الحدود عام 2015، وسجلت سلطات البلاد مؤخرا عددا متزايدا من الهجمات السيبرانية، ويضيف يان أنه لا يريد استبعاد أي احتمال، بضمنها استخدام أسلحة نووية تكتيكية من قبل موسكو.
 
أراضٍ مغتصبة
تقدم زيارة إلى مدينة إيماترا ذات 26 ألف نسمة في جنوب شرق البلاد فهما أفضل عن دور روسيا في صياغة حياة الفنلنديين، ويبعد مركز المدينة عن الحدود أقل من 10 كيلومترات. كانت الأراضي الفنلندية في منطقة كاريليا، حيث تقع ايماترا أكبر بكثير قبل الحرب العالمية الثانية مما هي اليوم، وقاتل الفنلنديون هناك خلال الحرب بضراوة ضد السوفييت بدعم من النازيين. أمر ستالين بعد ذلك برسم حدود جديدة للفنلنديين، وصارت البلدة منذ تلك الفترة قاعدة أمامية تقريبا.
اذا كان هناك مكان يلتقي فيه الروس والفنلنديون بانتظام فهو هذه البلدة. واعتاشت ايماترا حتى أسابيع قليلة مضت على السيّاح الروس، وتوجد علامات بالحروف الروسية في الساونا العامة، تذكرنا بضيوف لم يعودوا يأتون للمكان، والساونا خالية كما هي حال المعبر الحدودي. وهناك 300 وظيفة شحن بشركة السكك الحديدية الفنلندية مهددة بالإلغاء، ويبدو ستار حديدي جديد آخذ بالتشكل خصوصا خلال الليل.
يميز التجاور المباشر مع روسيا الفنلنديين عن بقية دول إسكندنافيا، وتستمر صدمة الحرب بتشكيل البلاد الى يومنا الحالي. وصار الأمن بدلا من الاقتصاد القضية الأكثر إلحاحا. ويتلقى حرس الحدود التدريب في ثكنات إيماترا، وتعّلق خرائط ضخمة على كل جدار كتذكير بأن الفنلنديين لم يتخلوا طواعية عن أجزاء كبيرة من كاريليا، وتظهر ألواح معدنية شرفية تستذكر قتلى ذلك الزمان. وشيّد الجيش شريطا حدوديا لأغراض التدريب في المنطقة الواقعة خلف الثكنات، ويقول أحد المعلمين إنهم غيروا أنظمة التدريب منذ 2014، مضيفا أن حماية الحدود أوثق ارتباطا بالجيش حاليا.
يعرف فيلي ميرينتي جيدا كم صمدت بلاده، فهو كبير بالسن بما يكفي ليخوض تجربة القتال، عندما هاجم الدب على الجانب الآخر من الحدود، ويبلغ فيلي من العمر 98 سنة وهو آخر المحاربين القدامى الأحياء في إيماترا، ولا يوجد كثيرون مثله ببقية مناطق البلاد أيضا. ولقي الجنود معاملة الأبطال الشعبيين في فنلندا منذ عشرات السنين، واحتفظت المتاحف والكتب والمجلات بتجاربهم حية في الذاكرة الجمعية، وشكّلت قصصهم الحربية آراء مواطنيهم عن روسيا. 
يريد فيلي الاستمرار برواية قصته طالما يستطيع ذلك، ويساعد الاستماع إليه بفهم مدى الإهانات الروسية في تحفيز عناد الفنلنديين وكيف كانت الرغبة بالتصميم الذاتي قوية دائما. وشارك فيلي بالحرب عام 1944 وكان خلال الأشهر الأولى مسؤولا عن سبعة رجال، مهمتهم تعقب المحاربين السوفييت الذين تعمدوا ترهيب السكان المدنيين. وخلال منتصف الصيف عندما تكاد الشمس لا تغيب، تجولوا في غابات الصنوبر لكشف الأعداء أثناء نومهم. وعمل لاحقا مراسلا بين الجبهات، لكن الخوف كان رفيقه الدائم.
 
مخابئ متكاملة
يبدي الفنلنديون استعدادا جيدا للحرب حتى وقتنا الحاضر، ولم يثقوا يوما بالسلام في أوروبا رغم عضويتهم في الاتحاد الأوروبي وحالة الازدهار. وإذا اقتضت الضرورة سيجد 900 ألف شخص داخل العاصمة هلسنكي وحدها ملاذا في ملاجئ القنابل. ويحافظ تومي راسك وزملاؤه من مكتب الدفاع المدني على صيانة الملاجئ بحالة جيدة. وتستخدم تلك الأماكن في الحياة اليومية كملاعب هوكي الجليد أو أحواض سباحة، وتظهر في كتيبات السياحة كأماكن جذب مسلية. لكن صور أوكرانيا تستحضر ما كان مقصودا بالأقبية ذات الاستخدام المزدوج، أي مساحات تحت الأرض لوقوف السيارات يمكن استغلالها كملاجئ في حالة الطوارئ.
يمر راسك عبر مدخل مجمع ميريهاكا الرياضي في مركز المدينة، ويجتاز الزائرون عند الدخول بابين فولاذيين باللون الأخضر، ويذكر راسك أن الباب الأولى تحمي من عصف الانفجارات، أما الثانية فتحمي من الغازات السامة.
يعد تشييد الملاجئ إلزاميا في المباني السكنية الكبيرة بمختلف مناطق البلاد، وتقع ملاجئ إضافية داخل العاصمة وحولها ويجب أن تكون كافية للجميع، لكن الراحة غير مضمونة، إذ يقول راسك “نخطط لأقل من متر مربع للشخص الواحد.” وفي حالة الاحتياج لهذه المنشآت، فيتوجب على الأشخاص النوم على شكل مناوبات والذهاب الى الحمام خلف ستائر خفيفة في 320 دلوا بلاستيكيا، وطبعت العلامات التعريفية بالفعل على الأرض.
دفع كل ذلك فالتيري ليندهولم لتحديث خططه للطوارئ، ويقول إنه أجرى مع فريقه مؤخرا تقديرات لعدد العمال، الذين سيتغيبون من دون سابق إنذار اذا استدعى الجيش جنود الاحتياط، وكانت النتيجة واضحة: “سينبغي علينا غلق نشاطنا، اذ يستعد 90 بالمئة من الشباب للقتال”.
 
مجلة دير شبيغل الألمانية
 
 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك