العراق اليوم

الدراما والوعي

  د. وفاء بغدادي
 
يسيرُ كلٌ منا في الحياة ربما لا يعلم أنَّه يحمل فوق رأسه عالماً مستتراً يشعر به ولا يراه، عالماً يستطيع من خلاله انتقاء الأفكار والمعلومات ويحفظ المفاهيم ويرددها هذا العالم هو الدماغ الذي يحلِّقُ بنا نحو الحلم ويهبط كثيراً للواقع، نحن نعجب بالأفكار والأشخاص والأعمال الفنيَّة مثل الدراما موضوع مقالنا على سبيل المثال عبر المرور لخلايا عصبيَّة تتحد مع عوامل مرجعيَّة استقرتْ في الجزء البعيد من هذا العالم.
كيف استقرت الدراما في مخيلتنا وكيف تتنتقل وإلى أين تذهب بنا؟
بدأت الدراما كفنٍ مسرحيٍ ارتبط بالإله دينسيوس أكثر أسماء الآلهة تداولاً عند الحديث عن الدراما، وبدأت الدراما كفنٍ مسرحي إحدى أهم آليتها الأداء وما قبل الأداء يسمى النص، نصٌ أدبي يشمله السرد بشكلٍ أكبر، أما المسرح فيعتمد بشكلٍ أكبر على الحوار والكاتب الذي يصل بنصه إلى الأداء يطلق عليه (كاتب مسرحي).
تعدُّ الدراما أكثر الأشكال الفنيَّة واقعيَّة؛ نظراً لتفاعل أفراد المجتمع معها والعكس، فهي تنقل واقع المجتمعات على شكل طبقٍ شهي، إلا أنَّ الدراما لم تتوقف عند حد التسلية والترفيه، بل امتدتْ للإرشاد والتوجيه حتى صارت أداة سياسيَّة تحمل أيديولوجيات تعمل على توصيل فكرةٍ ما من خلال تأطيرها والعمل على إيصالها للجمهور.
كما أنَّ من أهم التطورات التي لاحقت الدراما استخدامها في العلاج النفسي السيكودراما (الدراما النفسيَّة) ويرجع استخدام السيكودراما، ل ج.ل. مورينو إلى ما يقرب من ثمانين عاماً.
وتتضمن عناصر السيكودراما (الجمهور، الجماعة، الموجه، بطل الرواية)، ويظل الهدف الأول للدراما هو وصول العمل الدرامي لعقل ووعي الجمهور من خلال الأداء والتراكيب والجمع بين عناصرها المهمة أهمها الحبكة الدراميَّة التي تمثل الماء للحي والشخصيَّة والمؤثرات الصوتيَّة واللغة والغناء والمنظر المسرحي فالدراما خيالٌ تم سنَّه للتأثير في الواقع أو واقع تم العمل على توضيحه وإيجاد حلولٍ لمشكلاته وتظهر بوضوح في الاندفاع المحاكى عند البشر وخاصة الأطفال عندما يقلدون آباءهم في موقفٍ حقيقي أو متخيل ولم تتوقف الدراما عن التطور بداية من العصر اليوناني ومن ثم الروماني الذي كان له كبير الأثر في نشر الدراما اليونانيَّة التي كان أساسها الصراع بين آلهة الخير والشر وفق عقائدهم آن ذاك.
وقد تعددت أنواع الدراما وأشكالها، فنجد الكوميديا مثالاً للتنفيس والراحة.
من منا لم يتقْ إلى أنْ يجلس أمام الشاشة أو يذهب للمسرح يلقي بأوجاعه ويجد متنفساً رائعاً عبر الضحك، الكوميديا هي النكتة أو الفكاهة والنكتة قد تكون هادمة مغرضة هدفها الإيذاء أو التهكم أو نكته نتيجة الموقف والحدث، كما أنَّ هناك النكتة التي تحفز فكرك تجاه المواقف الاجتماعيَّة والسياسيَّة، كما أنَّ هناك الكوميديا السوداء كالسخريَّة من المواقف والأحداث الحزينة ويندرج تحتها دراما المهزلة التي تعتمد على الحركات الجسديَّة ويعتمد فيها النص الدرامي على الإضحاك ويكون هدفه الأول إضحاك الجمهور والتراجيديا التي أطلق عليها المأساة وهي التي تعرض المآسي بشكلٍ موجعٍ ويعاني فيها البطل، ويظهر الصراع بوضوحٍ وهي عكس الكوميديا، فمتن النص يثير المشاعر الحزينة والأوجاع الدفينة
أما الميلودراما، فمشتقة من كلمة ميلوس اليونانية وتعني الأغنية وتعني أيضاً الدراما المصاحبة للموسيقى ومع الوقت اختفت الموسيقى وأطلق عليها بالفرنسية “ميلودراما” وهي تركز بشكلٍ كبيرٍ وواعٍ على الواقعيَّة وغالباً ما يكون نصها طويلاً، وتجمع بين السرد المنطوق والمقاطع الموسيقيَّة، وفي الربع الرابع من القرن الثامن عشر أنتج أكثر من 30 مونودراما.
والمونودراما تعني دراما يمثلها شخصٌ واحدٌ ويطلق عليها مونولوج فردي، وأسهم هذا النوع من الدراما بأهمية دور الفرد أو البطل الواحد وقد يستعين فيها ببعض الممثلين على أنْ يبقوا في حالة صمت وتتراوح غالباً أحداثه بين الكوميديا والسخرية ومن أهم عناصرها الممثل الواحد والمونولوج والسرد والوسائل الفنية.
وينبع من أهمية الدراما وانتشارها بفضل التكنولوجيا وسحرها وتقنياتها المذهلة وتأثيرها، تساؤلٌ هل ينبغى لنا أنْ ننتبه إلى ما تبثه الدراما في عقول أمتنا وخاصة الشباب من مبادئ وأعراف قد تكون غريبة عن مبادئنا بعض الشيء وكيف يتسنى لنا ذلك، أعتقد أنه لن يتم ذلك بسهولة من دون أنْ يتكاتف كلٌ من الإعلام والنقاد والقائمون على صناعة الدراما والعمل على مراعاة المهنية والضوابط الاجتماعية وتكثيف دور الدراما في التوجيه والإرشاد وزيادة الوعي والعمل على عرض النصوص الدراميَّة الجيدة وإبراز حدود المسؤوليَّة الاجتماعيَّة والالتزام بسلوكيات المجتمع وأعرافه ومبادئه.
الحروب الحالية هي حروب وعي وثقافة في المقام الأول، وعلينا جميعاً أنْ ننتصر للوعي والثقافة، فالهزائم تأتي عندما يغيب الوعي، والدراما أحد أهم الفنون الراقية التي تمثل منارة للعقل وتحفيزه.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك