العراق اليوم

كرماشة وسباستياو.. جمال الخرائب

مصدر الخبر / الصباح

  أمير الخطيب 
 
سباستياو مصورٌ عالميٌّ محترفٌ، غنيٌّ عن التعريف لمن يعرف فن التصوير الفوتوغرافي، ذهب الى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وأخذ آلاف الصور لهم وكذلك للمعدمين والمحرومين من الناس في أميركا الجنوبية وباقي أصقاع المعمورة “المخروبة”، فالقيمة الفنيَّة والجماليَّة لدى سباستياو هي محور العمل عنده، فحين يصور اللاجئين الفلسطينيين، كان يفكر بجمال الصورة على الرغم من الحرمان والعوز لأولئك اللاجئين، فنرى صوراً جميلة غاية في الروعة والزوايا التي ينظر لها من عدسته هي في اعتقادي أرقى الزوايا التي تأخذ الصور.
معن كرماشة، شأنه شأن الكبير سباستياو، فبالرغم من أنه يؤرخ للخراب ويؤرشف للمدن وهو في اعتقادي مؤرخ مهمٌ للمرحلة التي مرَّ ويمرُّ العراق بها الآن، فالخراب طال كل مفاصل المدن، ليست الأبنية وحدها بل الجوامع والنفوس التي هجرت المكان بحثاً عن السكينة في المقابر أو غيرها منً الأمكنة، معن كما أسلفت شأنه شأن سباستياو يهتم بجمال التكوين وكذلك يظهر الصورة بأجمل مظهر أو لأقل يحاول أنْ يغطي الخراب بالجمال، فالجمال الذي يُخلقُ يُنسينا نحن كمشاهدين لأعماله، الخراب الذي حلَّ بالمدن، الخراب الذي عاشه الفنان والذي رآه في سنين الحروب الطويله التي ليس لها آخر.
الكتل التي يضعها معن تدلُّ على تلك الثيمة “استمرار الحرب” فتراه يكرر في أعماله كلها ذات الوحدات وذات التهالك والهدم، وكأنه يقول (هذا ما أرى في كل حياتي).. نعم أنَّه فنانٌ يعكس الواقع الأليم الذي عاشه في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته وكذلك مطلع الألفية الثانية في العشرة الأولى منها وبداية العشرة الثانية وهكذا 
دواليك.
يطالعنا في آخر أعماله بأسلوبٍ مغايرٍ بعض الشيء، فإنَّه لا يكتل الألوان والأجسام والأشياء، بل يضعها في ترتيبٍ مقصودٍ ومتقنٍ، فالبيت المتهالك وبجانبه منارة أو قبَّة، تعني الكثير بالنسبة لي شخصياً، لأنَّ وضعه بهذا الترتيب يدلُّ على وعيٍ في التعبير عن المرحلة التي يعيشها النظام العراقي، فليس من الضرورة أنْ نرى بريق الجوامع بجانب تلك البيوت الخربة والمتهالكة، وهنا أعتقد جازماً أنَّ الفنان أشار الى هذا الخراب وسبب 
الخراب.
الألوان التي يستخدمها معن، تدلُّ على هذا الخراب أيضاً، فاستعماله اللون الرصاصي أو البني أو أي لونٍ يدلُّ على الخراب، استعمال ذكي يفي الموضوع برمته وليس للمشاهد البسيط أنْ يبحثَ أو يحسَّ أكثر مما يرى ويتسلم الرسالة البصريَّة، لأنَّه يضع ألواناً مغايرة بالتمام والكمال للون القبة مثلاً أو للون الشجرة.
هذه اللغة البصريَّة يفهمها كل المتلقين على حدٍ سواء، لكنَّه يضع الأمل في السماء، فالسماء التي تدلُّ على الصفاء والرحمة هي المخلص والمعادل الموضوعي في إنشاء اللوحة، ألوان السماء الفاتحة التي تشرح الصدور عند رؤيتها بشكلٍ منعزلٍ عن بقيَّة المكونات، هي غاية الفنان ورسالته الواضحة في خلق هذا التناقض الصارخ الذي يتوسم من المشاهدين أو المستقبلين لأعماله أنَّ الآتي من السماء سيكون أفضل وأرحم من هذا الخراب الذي نعيشه.
بعبارة أخرى أستطيع القول إنَّ الفنان معن كرماشة مؤمن بالسماء وما سيأتي منها، مؤمن بالمستقبل الذي لا بُدَّ أنْ يكون أجمل أو أرحم من الحاضر، هذا الإيمان لم يأت من فراغ، بل جاء بعد معايشة طويلة خلال سني حياته، معايشة طويلة مع الخراب الذي عم النفوس قبل الأبنية.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك