العراق اليوم

بول شاوول: العراق ينبوع الشعر العربي

مصدر الخبر / الصباح

 حاوره: حسن جوان
ولد في العام 1944 في منطقة سن الفيل البيروتية، حصل على إجازة من كلية الآداب – الجامعة اللبنانية. عمل في الصحافة الثقافية، وكان مسؤول القسم الثقافي لمجلة المستقبل، ثم مجلة الموقف العربي حتى عام 1992، حيث تولى رئاسة القسم الثقافي في جريدة السفير. دواوينه الشعرية «أيها الطاعن في الموت» 1974 ، «بوصلة الدم» 1977 ، «وجه يسقط ولا يصل» 1981، «الهواء الشاغر» و«أوراق الغائب» 1992، 
وغيرها. من أعماله المسرحية «المتمردة» و«الحلبة». وأبرز مؤلفاته: المسرح العربي الحديث، وترجماته: الشعر الفرنسي الحديث، ومختارات من الشعر العالمي. الشاعر بول شاوول، أحد ابرز الأصوات الشعرية اللبنانية لجيل ما بعد الرواد، سائح في المسرح واللغة والهموم الثقافية المتنوعة. 
ترك تأثيرات واضحة في أجيال شعرية عربية وعراقية، مع ذلك هو يحسب نفسه جزءاً من التجربة العراقية بحكم التأثر. التقيناه في بيروت فكان هذا الحوار الخاص 
بـ «الصباح»:
 
*كل بداية مع شاعر لا تتخذ من الشعر بساطاً لا يعول عليها، أليس 
كذلك؟ 
– اريد ان أقول شيئا في حضرة الشعر أولا، العراق وطوال عصوره، منذ العباسي وما قبله، وامتدادا إلى بعض القمم الحديثة مثل السياب وحسين مردان والجواهري، وغيرهم من الأسماء التي رفدت الشعر، أقول لك، إن العراق هو الينبوع الأساسي للشعر العربي قديما 
وحديثا. 
بغداد كانت في عصور العباسيين مثلا هي باريس الأدب العربي، المتنبي، الشريف الرضي، وآخرين ممن نهلوا منها مثل أبي تمام أبي الحداثة والرمزية الشعرية، لذا يقال عن العراق، وراء كل نخلة شاعر، ولذلك، وبفعل ظروف وتركيبات عراقية فقط، بقي العراق مختبرا شعريا كاملا، رغم ما مرّ ويمر به في حقبه التاريخية، وعقوده المركبة الحالية من غزو وحروب واضطرابات. 
في ما عدا ما ذكرته، أنا أحسب نفسي جزءا من الشعر العراقي، والشعر العراقي هو جزء مني، كما أنا جزء بدرجات متفاوتة من الشعر السوري والفلسطيني أو غيرهما، لأن حركة الحداثة لا تعين بلحظة معينة. 
ذكرت لك أبي تمام وأبي نواس أيضا، هما اكبر المجددين في الشعر العربي.
إذاً الحداثة برأيي هي وعي اللغة، دور اللغة، لأن اللغة معطى ميت يحركه الشاعر. 
فاللغة هي أقرب إلى التراث الميت، الذي يحركه الشاعر والعالم والمسرحي وغيرهم.
سعيد عقل اشتغل تحت هذا السقف في بعض تجاربه، لكنه بقي تحت هذا السقف. 
سعيد عقل تأثر بالمتنبي، وعلي بن أبي طالب والقرآن.
لكنه وقع في الكلاسيكية، يجب أن نعي بأن الحداثة هي وعي اللغة.
ومزاج كل هذه العصور التي توالت من جاهلي وأموي وعباسي المحملة بالتراث، إلى أن دخل الغرب في القرن العشرين ليس كمعادل للتراث فحسب، وإنما في الدين أيضا. 
 
*كيف يمكن موازنة هذا الموروث إزاء ما هو مترجم، في مراحل كان النموذج السلفي للكتابة يحاول ترسيخ الشكل القبلي في مراهنة مواجهة القادم؟ 
– السلفية لم تكن سلفية في عصرها فهي في بداية القرن العشرين كانت تعني الثورة، حتى الدينية منها، فمحمد عبده وجمال الدين الافغاني وغيرهما كانا مجددينِ من وجهة نظرهما لمفهوم مواجهة الحداثة بحداثة أخرى، قد تستند إلى التراث، او تعيد بناء الهوية على أسس معاصرة.
 
*اذا كان سعيد عقل قد تأثر باللغة وغموضها، وتأثر بالمتنبي بحسب قولك، لكنه وقع في الكلاسيكية اخيرا، كيف يمكن إذن الإفادة من مكامن تاريخية ميتة او معاصرة لتحريك الشعر، من دون الوقوع في فخ نوع من الكلاسيكية او السلفية اللغوية اذا جاز التعبير؟
– بالنسبة لي أنا شخص أعرف مدرسة النثر العربي أيضا، أبي حيان التوحيدي، عبد الحميد الكاتب، المحاسبي، النفري، والصوفيين الذين تركز الشعر لديهم في النثر وليس في المنظوم، فالأخير هو مجاز عقلاني قائم على الظاهر والباطن الخ، مع أنهم اسهموا في عمل ثورة اجتماعية أكثر منها شعرية.
إذن كل هذا التراث، ليس لنا أن نقول في نص ما إنه هنا يتضمن هذا الكم من التراث أو ذاك، لكنه محمل دائما بشيء من العروبية.
 
*هل نحن الآن بصدد نص عروبي متأثر بنزعة أيديولوجية؟
– لا بالطبع، أنا لا أتحدث عن هؤلاء الذين أسسوا للعقلية الطائفية والعنصرية، القائمة على القمع والتطرف، أنا أتحدث عن العروبية المنفتحة، التي تعني الثقافة، التي تتضمن الجميع ولا تنفي الأقليات وتحترم ذلك التنوع الجميل الذي يحتوي الثقافات الأخرى. 
 
*بوصفك مطلعا على أكثر من لغة أوروبية، وذكرت ذات مرة بأن ما هو مترجم بات قريباً من حيث التراكم من الموروث، إلى أي مدى ترى أن النصوص الأدبية العربية تأثرت بهذه الترجمات في خلقها للأدب العربي المعاصر، وماهو تأثيرها من باب أولى على نصوص بول شاوول؟
– ترجمت قرابة اثني عشر ألف قصيدة أوروبية، ومسرحيات عديدة أيضا، لكنني بقيت شخصاً مؤمناً باللغة العربية، كمنجم ذهب وفضة للشاعر والمسرحي والروائي، وربما تكاد تسألني لماذا كنت أترجم؟ الجواب هو أنني سبق أن قرات ما ترجمت، وكنت عندما أقع في ورطة مع الكتابة ألجأ إلى القديم، وألجأ إلى القراءة والحياة الداخلية، وأخلص إلى الترجمة في مرحلة لاحقة، لأن الترجمة هي إعادة ابداع، لكنها لا تحلَّ محل النص الأصلي إطلاقا، لكنها زهورٌ تتفح في جسمك، تصبح جزءا منك… عندما تدخل إلى مطبخ الشاعر، إلى حديقته الخلفية، لأننا لا يمكن أن نترجم القصيدة ما لم نكتشف حيلة الشاعر في كتابتها، لعبته. 
لهذا فإن الشاعر هو الشخص الوحيد القادر على ترجمة الشعر، إلا في حالات استثنائية مثل ترجمة حسن عثمان، الذي ترجم الكوميديا الإلهية في مجهود عظيم استمر لاربعين سنة.
 
*وكيف نقترب بدورنا من مطبخ بول شاوول؟
– قمت بتدريس اللغة العربية 12 سنة، هذه كانت بداياتي، اما المهم فهو ما تعلمته من زهير بن أبي سلمى، وأبي تمام، ومن مالارميه، وغيرهم، تعلمت أن الشعر يرتاد بالدفق الأول، ولهذا منذ أول ديوان لي ” أيها الطاعن في الموت ” كتبوا بأني أغرد خارج السرب، لماذا؟ لأن القصيدة عندي مشروع، فانا لا اكتب قصيدة في الليل، وفي الصباح التالي انشرها، هنالك قصائد استمررت بكتابتها ست سنوات مثل “أوراق الغائب” وعندما قرأتها بعد سنوات كدت أرميها لولا تدخل بعض الأصدقاء، وهكذا ينبغي أن تكون قاسيا مع نفسك
كشاعر. 
 
*امتازت أعمالك الشعرية بالتجريبية، والانقطاع اذا صح التعبير، فلا إصدار يمثل امتدادا لما سبقه، هل هذه ميزة تعتمدها بقصدية؟
– ربما تكون هذه الصفة تميزني عن بقية الشعراء، وأنا لا أعني هنا تمايز مفاضلة طبعا بيني وبين الآخرين، التجريبية هذه هي التي جعلت كل ديوان لا يشبه الىخر، وهذا ما أقصده، فعندما تقرأ السياب او البياتي أو أنسي الحاج وكذلك الماغوط، يمكن أن تتعرف إلى قصائدهم وأساليبهم التي تميزهم.
أنا لم أكتب شيئا منذ سنوات الآن، لأنني لا احس بأن لدي شيئا أضيفه، او أتجاوز به ما قدمته سابقا.
 
*هل يمكن اعتبار هذه محنة لديك؟
– لنسمّها حرصاً، عندما تسلك طريقا ممتعا، سوف يظل جميلا لفترة من الزمن، ثم يصبح طريقا مضجرا، هكذا هي القصيدة، فلا يمكنك الكتابة على طريقة واحدة طوال حياتك، هذا اسميه موت اللغة، او الموت الداخلي للحواس، فاللغة هي تشبه الحواس، ولذلك أنا عندما أشعر أن يدي يابستان أغسلهما 
بالترجمة.
 
 *ارتبط الموقف الثقافي لديك بما هو مبدئي، وقد تحولت لديك بعض المواقف المضادة للطائفية، ابان الحرب الاهلية في لبنان إلى قطيعات امتدت إلى مساحة شملت العائلة أيضا. 
هل على المثقف أن يتخذ مثل هذه المواقف الإنسانية والأخلاقية الصارمة في مجتمعه برايك؟ 
 
– لا يمكن أن تكون شاعرا وطائفيا في الوقت نفسه.
الشاعر العربي ومنذ النابغة، كان يأكل بصحاف من ذهب لأنه اعتاد أن يقبض ثمن موقفه وكلمته، أما انا فقد دفعت ثمن مواقفي. 
وعندما يصبح المجتمع مستلبا بالطائفية او بالأيديولوجيا، او العائلية او القبلية، وهي كلها أشكال للشمولية، التي أقف بالضد منها.
ولذلك أنا كنت ضد كل انخراط في الحرب الطائفية، خاصة عندما شهدت أن أحزابا تتصف باليسارية والعلمانية ناقضت نفسها بالانخراط في تلك الحرب.
 
*بالعود إلى الشعر، كيف تنظر اليوم إلى أفق الكتابة بعد التجربة العربية التي جربت وواكبت نماذجها من تلقي فكرة الحداثة؟
– أعتقد اليوم أن الشعر العربي يعيش زمنه الذهبي، وليس زمن الرواد، لأن من كتب سابقا كان قد وقع تحت ما يسمى بـ” فكرة الحداثة “، وكأنها فكرة مقدسة، فاعتبر بعضهم معنى أن تكون حديثا يعني أن تنسف التراث، وهذه أصولية اكثر منها فهماً لتمثل الحداثة. 
 
*ختاما، هل يعيش بول شاوول وحدة شخصية الآن، أم أنه يشعر بأنه كثيرٌ بوحدته؟
– هناك أنواع من الوحدة، انا أعيش وحدة مأهولة، فعندما أكتب، أشعر ان العالم كله في بيتي، أنا أكتب للمجتمع وللحياة وليس ضدها، لذا أجد حياتي مأهولة بكل 
شيء.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك