العراق اليوم

الإقصاء في خطاب الإطار التنسيقي

مصدر الخبر / الاخبار

حَذَّرَ مؤخراً رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، من أن الإقصاء سيقود العراق إلى مستنقع الدم.
إشارة المالكي، أحد أهم زعماء الإطار التنسيقي الذي حصلت كتلته، دولة القانون، على المقاعد البرلمانية الأكثر ضمن الإطار، 33 مقعداً، تأتي متناسقة مع إشارات أخرى كثيرة لزعماء وساسة إطاريين آخرين تتهم التيارَ الصدري بممارسة الإقصاء والتهميش بسبب إصرار الأخير على حكومة الأغلبية السياسية التي تستبعدهم من السلطة وتجبرهم على الذهاب نحو المعارضة وهو ما يرفضه الإطار بشدة.
تمثل اتهامات الإقصاء هذه إضافةً جديدة لترسانة الإطار التنسيقي الخطابيةً في مواجهته الشرسة مع التيار الصدري الذي يقود تحالفَ أغلبية سياسية من أحزاب كردية وسنية. يكشف استخدام الإطار للغة الإقصاء في توصيف احتمالات ذهابه القسرية الى المعارضة إذا نجح التحالف الثلاثي في تشكيل حكومة الأغلبية عن طريقة تفكيره الإشكالية بخصوص فهمه لنفسه وللسلطة وعلاقته بها. تقوم طريقة التفكير هذه على اعتبار السلطة استحقاقاً طبيعياً للإطار بوصفه ممثلاً سياسياً لجزء من الجمهور الشيعي الذي لا بد أن يكون كله ممثلاً في السلطة في خضم فهم طائفي ومشوه للدستور ومعنى السياسة في البلد!
للإقصاء اصطلاحياً معنيان متقاربان في سياقين مختلفين.
يشير المعنى الأول، وهو الأكثر شيوعاً واستخداماً، إلى حرمان شخص أو مجموعة ما من حقوق طبيعية أو فرص يتمتع بها الآخرون على نحو المساواة، كما في حرمان أشخاص أو مجموعة سكانية، دينية أو عرقية أو ثقافية أو جندرية من حقوق تُمنح لبقية أفراد المجتمع أو الشعب في سياق التعليم أو التوظيف أو غيرها. فمثلاً عندما كانت بعض الدول، كما في الولايات المتحدة الأميركية، تمنع مواطنيها السود من المشاركة في الانتخابات فإن هذا يعتبر إقصاءً. ينطبق الأمر نفسه على منع حركة طالبان الافغانية للبنات من الذهاب الى المدارس. تشمل بعض أمثلة الإقصاء الشائعة في العالم منع جماعات من ممارسة طقوسها الدينية أو استخدام لغاتها او التضييق عليها بهذا الصدد.
المعنى الثاني للإقصاء محدود وطبيعته تعاقدية وتتعلق بسلب امتيازات ممنوحة لشخص أو عدة أشخاص، وليس مجموعة كاملة، في إطار عقود، مع بقاء هذه الامتيازات للآخرين المُتعاقد معهم، كما في منع بعض المخولين بسلطات معينة لإدارة شركة أو مؤسسة ما من امتيازهم بممارسة هذه السلطات أو ما تم التعاقد معهم لممارسته.
لا ينطبق تعريف الإقصاء على الإطار التنسيقي لا بالمعنى الأول العام ولا بالمعنى الثاني الخاص. فمشاركته في السلطة ليست حقاً طبيعياً له كي يؤدي استبعاده منها إلى إحساسه بالإقصاء والتشكي منه، إذ خاض الإطار انتخابات تنافسية وخسرها لصالح أطراف أخرى استطاعت بناء تحالف أغلبية لتشكيل الحكومة من دون وجوده فيها. كما لا يوجد عقد صاغته الدولة العراقية مع الإطار التنسيقي يمنحه امتياز المشاركة بالسلطة مع آخرين ليتم سحب هذا الامتياز منه. في أي نظام ديموقراطي، يُعتبر العمل في السياسة حقاً طبيعياً لجميع المواطنين، فيما يُعتبر الوصول إلى السلطة عبر الفوز بالانتخابات امتيازاً يمنحه جمهور الناخبين عبر تصويته لمجموعة او مجاميع سياسية. بإمكان هذا الجمهور أن يسحب هذا الامتياز عبر انتخابات مقبلة. لم يشرح ساسة الإطار في خطابهم بخصوص تعرضهم للإقصاء ماهية هذا الإقصاء، والحق أو الامتياز الذي تم سلبه منهم ظلماً أو تعدياً.
يقع استخدام الإطار التنسيقي لحجج الإقصاء في سياق خطاب سلبي أوسع بدأ يشكله منذ الإعلانات الأولى لنتائج انتخابات أكتوبر العام الفائت التي أظهرت خسارته ويقوم على خليط غير متجانس من التمسك بالماضي والتخويف من المستقبل. عبر التمسك بالماضي كحجة، يلجأ الإطار إلى اعتبار سنوات مشاركته في الحكومات التوافقية المتتالية منذ 2005 إلى الآن معياراً على نموذج التشارك في السلطة ينبغي أن يستمر، من دون أن يشرح الأسباب الموجبة لاستمرار هذا التشارك الذي ظهر فاشلاً بإجماع الطبقة السياسية والمجتمع. لا يُناقش الإطار التنسيقي تجربةَ الحكم الفاشلة تلك التي قاد هو فيها كل الحكومات المتتالية وهَيَّمَن عليها وعلى الدولة عبرها، كي يشرح أسباب تمسكه بتجربة حكم سيئة هناك إجماع عام، سياسي وشعبي، على فشلها. كما لا يتناول الإطار أسباب تراجعه عن خطاب زعمائه السابق قبل سنوات وهم يدعون إلى تشكيل حكومة أغلبية، رافضين على نحو قاطع حينها تقليدَ الحكومات التوافقية، إلى حد اعتبارهم تشكيل مثل هذه الحكومات خيانة للبلد وتعمداً لإبقائه في دروب الفشل والفساد.
الحجة الوحيدة التي يقدمها الإطار التنسيقي في سياق تراجعه، الذي لا يقر به، عن مطالبه السابقة بتشكيل حكومة الأغلبية ومعارضته إياها الآن مقابل إصراره على الإبقاء على الحكومة التوافقية، تتعلق بالشق الثاني من خطابه المرتبط بالتخويف من المستقبل. تنطوي هذه الحجة على الكثير من الغموض والعمومية، إذ تقوم على افتراض أن المرحلة الحالية التي يمر بها البلد لا تسمح بتشكيل حكومة الأغلبية أو، في صياغة إطارية أخرى، أن البلد غير مستعد لمثل هذه الحكومة الآن. لماذا؟ لا تُقَدَم أسبابٌ واضحة، وإنما يُستعرض سيناريو مؤامرات مقبلة تُحاك اقليمياً وداخلياً وتهدف إلى إشعال قتال شيعي-شيعي أو سلب السلطة من يد الشيعة!! لماذا سيؤدي دخول الإطار في السلطة والإبقاء على الصيغة التوافقية الفاشلة إلى منع تحقق هذه المؤامرات المفترضة؟ لا جواب من الإطار بهذا الصدد!
هذا الخطاب السلبي للإطار الذي لا يُقدم أجوبة مقنعة أو متماسكة على أسئلة مشروعة هو أحد الأسباب الرئيسية لضعف التعاطف الشعبي مع الإطار. فبخلاف خطاب التيار الصدري الذي يتعاطى مع المستقبل ويحدد مشاكل معينة يعاني منها المجتمع والدولة ويعد بحلها (تفكيك السلاح الميليشياوي، تقديم الخدمات، مكافحة الفساد)، لا يتعاطى خطاب الإطار مع مشاكل المجتمع والدولة ولا يقترح حلولاً لها، بل يدور كل خطابه حول ضرورة وجوده في السلطة فقط، من دون ربط هذا الوجود بمصالح عامة. في حال تشكيله حكومة الأغلبية، قد يعجز التيار الصدري عن تحقيق وعوده المعلنة، وبالتالي تصبح حكومة أغلبيته المزمعة امتدادا لحكومات الفشل التوافقية السابقة. لكنه على الأقل سيكون في موضع تحمل مسؤولية الفشل حينها، ليس فقط لأنه وعد بذلك، بل ايضاً لأنه لن يستطيع حينها أن يتهرب من مثل هذا الفشل إن حصل. بالمقابل يرفض الإطار التنسيقي لحد الان تحمل الفشل عن الحكومات السابقة التي قادها، في سياق إصراره على استمرار الصيغة التوافقية التي يُعزى إليها فشل تلك الحكومات.
يبرز أحد أدلة انعدام الواقعية في خطاب الإطار وضعف الذاكرة المزمن فيه، عبر سجل ساسته الذين يحذرون من الإقصاء وعواقبه! يبدو غريباً هنا أن المالكي، وليس غيره، هو الذي يحذر من هذه العواقب، فسجل الرجل في رئاسته الثانية للوزراء بين 2010 و2014 معبأ بسياسات الإقصاء، بنوعيها العمومي والمحدود، التي مارسها بإزاء مجاميع عراقية كاملة وشركائه من الساسة في السلطة. قادت هذه السياسات البلد إلى المزيد من الفوضى والصراع والفشل وسقوط ثلثه بيد تنظيم داعش الارهابي!
“سكاي نيوزعربية”

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك