العراق اليوم

الدبلوماسية العراقية بعد 2003: إعادة توجيه البوصلة أم ضياعها ؟ – الجزء الاول

مصدر الخبر / وكالة نون

بقلم: حسن الجنابي- وزير سابق

 

تولّى حقيبة الخارجية في مرحلة ما بعد 2003 وزراء ذوو انتماءات أثنية وطائفية انعكست، حسب إعتقاد الكثيرين وأنا منهم، على الإجراءات والمواقف التي أتخذوها أثناء عملهم على رأس الوزارة. ظهر في معظم تلك الإجراءات تمييز واضح لصالح الفئة الأقرب أثنياً او طائفياً على حساب الإعتبارات الأخرى.

ولا تمثل هذه الملاحظة طعناً بوطنية أحد، بل تؤشر الى تخندقات وميول أدت عملياً الى التمييز ضد الآخرين، وشجعت محاباة المحازبين، واسهمت في استغلال سلطة الدولة والمال العام وامكانات الوزارة لمصالح فئوية، وهذه حالة يمكن تلمسها في الأنشطة الحكومية الأخرى.

لا بد من التأشير بأن ما جرى في وزارة الخارجية ينطبق على الوزارات الأخرى، وهذا المنحى هو النتاج الرئيسي لسياسات المحاصصة في إدارة البلاد. ففي ظل المحاصصة تكون المنافسة السياسية هي سباق للحصول على المكاسب، وليست منافسة برامج وطنية وتنموية. لأن المحاصصة ليست تحالفاً سياسياً، بل هي شيء آخر قائم على الخلفيات الأثنية والطائفية والمعتقدات الدينية، وهذه جميعها ليست خيارات متاحة للأفراد بل هي إنتماءات متوارثة تلقائياً. وواقعاً مهما كانت تلك “الإنتماءات” قوية ومؤثرة فيه تبقى ثانوية، بل ذاتية، بغض النظر عن حجم المجموعة الأثنية او الطائفة. في حين أن التحالفات السياسية تقوم على البرامج وتقارب الرؤى وتتجه بوصلتها نحو المستقبل على العكس من المحاصصة المتشبثة بالماضي وعُقَد التاريخ والعرقية التمييزية التي تقترب من العنصرية المقيتة.

أعتقد ان اسقاط النظام الصدامي بالطريقة التي جرتْ لم يتح للعراقيين إنتاج طريقة أفضل لحكم انفسهم، فصار الأمر تجريبياً على طريقة “الصح والخطأ” الرياضية مع فارق ان المحاولة لا تجري في اتجاه “الصح” كما هو في الرياضيات بل في إتجاه الإبقاء على “الخطأ” والإستمرار فيه لما فيه من مغانم. فالأمر برمته (أي تولي السلطة) لم يكن يخطر في احلام المعارضين وقادتهم، سواءً كانوا في المنافي أو في مخيمات اللجوء، أو عندما كانوا يمتشقون سلاح المعارضة في أعالي الجبال وفي أهوار الجنوب العراقي.

بداهةً فإن العمل المعارض أكثر نُبلاً من العمل في السلطة برغم احترامنا الأكيد للعمل الحكومي. فشتّان بين أن يكون المرء والجهة التي ينتمي اليها مشروعاً للمواجهة والمقاومة والتضحية والعمل من اجل العدالة وتحقيق الديمقراطية، وبين المنافسة على مغانم السلطة واستخدام “وسائل الديمقراطية” لتعظيم المكاسب لصالح فئة على حساب فئات أخرى، بل وعلى حساب المصالح العليا للبلاد.

كذلك فإن عمق الجراح وقسوة المنافي والسجون والمعتقلات والتعذيب، وإن كانت تمنح مشروعيةً وتبريراً، بل دافعاً أخلاقياً، للعمل من أجل إستعادة الإعتبار والمواطنة المفقودة قسراً على يد الدكتاتور، لكنها لا تؤهل الضحايا للحكم العادل تلقائياً. فالبطولة والصمود والمقاومة والأستشهاد شيء، والحكم وإمتلاك الثروات والمصائر والمغانم والإستحواذ على العقارات والأملاك الحكومية والعامة وانعدام القدرات على ادارة شؤون البلد أشياء أخرى.

لقد تعرضت المعارضة في ظل الدكتاتورية لكل أنواع الإضطهاد والعسف والقمع والحرمان والتمييز، وهذه بالنتيجة هي وسائل السلطة الغاشمة في ترويع المواطنين والقضاء على المعارضين لتأمين استمرارها في الحكم. وبما أن إسقاط الدكتاتورية واستبدالها بسلطة القوى التي كانت معارضةً مقموعةً، يغيّر طرفي معادلة الحكم، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تكبح النزعة الغريزية للانتقام، أو تلك الطامعة باستخدام وسائل السلطة للمنافع الفئوية والحزبية، وتحرّم قمع الأقلية سياسياً او اقتصادياً، مع تمسك بإحالة المجرمين القتلة وسفاحي الدكتاتورية الى العدالة وفق القانون. وبعكسه لا فرق بين الحالتين، اي حكم الدكتاتورية او حكم المعارضة.

لا شك فإن أجهزة الدولة تكون (ولنقل يجب ان تكون) فوق التوجهات والمنافع السياسية والفئوية، ويجب بقاؤها محايدةً ورصينةً بحكم مهامها في إدارة شؤون المجتمع. وإذا كانت الدكتاتورية قد استغلت الدولة ومؤسساتها لصالح الحزب الحاكم والأتباع، وسخّرتها للمنافع الشخصية والحزبية والفئوية، فقد كان ذلك هو السبب الرئيس في إعلان معارضتها والعمل على تغييرها واسقاطها من قبل الجماعات المعارضة، لأن الدكتاتور وحزبه واتباعه استحوذوا على أملاك الدولة، العائدة بطبيعتها الى المجتمع. ولذلك فإن تقاسم تركة الدكتاتورية من قبل الحكومات المتعاقبة واعتبارها مغانم هو سلب لحقوق المجتمع ولا يختلف من حيث الجوهر عن سلب الدكتاتور لتلك الحقوق في الفترة السابقة.

لم يجر الإلتزام بهذه المبادئ الأصيلة، وحصل تهاون طويل ونسيان خادع لمصالح الشعب. ونظراً لغياب المعارضة الحقيقية عن صيغة الحكم الجديد ما بعد 2003، أي صيغة الحكم التوافقي حيث الجميع في السلطة وفي المعارضة معاً، لم يعد هناك ما يكبح النزوع نحو المغانم وتشريع الإستحواذ على املاك الدولة واستبدال مصالح المجتمع بمصالح الكتل. فتصويت الأكثرية البرلمانية كان يتحقق بسهولة على المنافع وهو أمر مضمون دائماً لسببين: الأول هو لا يمكن أن يصوت اعضاء مجلس النواب بالضد من مصالح كتلهم او مصالحهم كأفراد. والسبب الثاني هو عدم وجود من يقدم تشريعات تهدف الى إضعاف سيطرة الكتل أصلاً. فالكتل هي التي تشكل الحكومة، والأخيرة مخوّلة دستورياً بتقديم مشاريع القوانين الى مجلس النواب الذي يمنحها الصفة القانونية في ظل عدم وجود معارضة.

لقد خلقت حالة السباق نحو المغانم ظروفاً لا تسمح بتشكّل معارضة حقيقية بديلة عن حكومات المحاصصة. والمواطن الفرد مستلب وضعيف وفي أحسن الأحوال يتكأ على عشيرته. أما الحركة السياسية ذات التوجهات الوطنية الساعية الى تغيير نظام المحاصصة وارساء الديمقراطية الحقيقية فعليها مواجهة المنتفعين كلهم، وقوانينهم وجبروتهم المكتَسَب من إستحواذهم على موارد دولة غنية، وتنظيماتهم السياسية والعسكرية داخل وخارج المؤسسات الأمنية، ومصادر تمويلهم، ومشاريعهم واستثماراتهم الكبرى في المطارات والمنافذ الحدوية، والعقود الإستيرادية الباذخة، وصفقات التسليح وبطاقات التموين والسلال الغذائية، والمقابر والأراضي والبساتين ومزارع الأسماك، والمولات التجارية، والعقارات وكل ما “لذ وطاب” من مصادر القوة والجبروت والطغيان في ظل ضعف شنيع لأجهزة تطبيق القانون والأنظمة الحكومية.

على سبيل المثال لا الحصر، فقد إعلنت هيئة النزاهة ومكافحة الفساد العراقية على موقعها في تاريخ 1/12/2021 نقلاً عن المدير العام لدائرة التحقيقات في الهيئة بأن العدد الكليَّ للعقارات التي تمَّ التجاوز والإستيلاء عليها من قبل الأحزاب والجهات والأفراد في بغداد والمحافظات، عدا اقليم كردستان، بلغ (31378) عقاراً، وكانت مُحافظة نينوى الأعلى، إذ بلغ فيها عدد العقارات المُتجاوز عليها (8585) عقاراً، تلتها البصرة بـ(6194)، ثمَّ كركوك (3653) عقاراً. هذا فضلاً عن العقارات والأراضي التي استحصلت بصورة “قانونية” عن طريق ما يسمى بالمساطحات والتجاوزات التي تتحول بحكم الزمن الى “واقع حال” فضلاً عن أن اراضي إقليم كردستان لا تخضع لأية رقابة اتحادية او شعبية.

 

يتبع ..

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك