العراق اليوم

رأي حول قانون الأمن الغذائي العراقي

مصدر الخبر / الاخبار

صوت مجلس النواب في 8 حزيران 2022 على “قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية”. يتناول فقرات موزعة حسب التصنيف الإداري. كمصروفات وزارة التجارة ونفقات وزارة النفط وهكذا. يبلغ مجموع النفقات الواردة فيه 25 ترليون دينار.
يتضمن القانون 12 فقرة في مقدمتها ثلاث جهات: الجهة الأولى وزارة التجارة التي خُصص لها 5.5 ترليون دينار لتمويل البطاقة التموينية وشراء الحنطة من الداخل والخارج وتكوين الخزين الاستراتيجي. والجهة الثانية وزارة الكهرباء التي عليها أن تدفع 4 ترليونات دينار لسداد المديونية الخارجية المتعلقة باستيراد الغاز والكهرباء. والجهة الثالثة المحافظات غير المنتظمة بإقليم (أي جميع المحافظات باستثناء محافظات كردستان). وخُصص لها 8 ترليون دينار. يضاف إلى هذا المبلغ ترليون دينار للمحافظات المنتجة للنفط. أما الباقي فيصرف للوزارات والإدارات الأخرى.
نلاحظ أن القسط الأكبر من الاعتمادات لا علاقة له بالأمن الغذائي. كما لا يمثل القانون جميع نفقات الدولة للفترة المتبقية من السنة الجارية. ولا يتناول إطلاقاً إيرادات الدولة النفطية وغير النفطية. وبالتالي من الخطأ الاعتقاد بأنه يمثل ميزانية الدولة التي لم يتم التصويت عليها لغاية اليوم لأن الحكومة لا تملك أساساً صلاحية تقديم مشروع الميزانية.
وهذا القانون كجميع القوانين ذات الصلة بالأموال العامة عبارة عن عملية توافقية جرت بين الأحزاب المتسلطة. فبعض الجهات لم تصوت عليه إلا بعد زيادة مخصصات الحشد الشعبي وسداد الديون المستحقة لإيران. ولا علاقة لهذا وذاك بالأمن الغذائي أو بالتنمية.
رصد القانون كما ذكرنا 4 ترليون دينار للديون المترتبة على استيراد الغاز والكهرباء. وهي مستحقة لإيران فقط.
هنالك عدة مشاكل ترتبط بهذه الديون في مقدمتها تقدير حجمها والتأخر في سدادها.
حسب المصادر الرسمية العراقية بغداد مدينة لطهران بمبلغ 1692 مليار دولار. ويقولون أنه موجود في مصرف التجارة العراقي. ولكن لا يمكن تحويله إلى إيران بسبب العقوبات الأمريكية.
أما المصادر الرسمية الإيرانية فترى بأن العراق تأخر في سداد ديونه المتراكمة منذ 2020. مما أدى إلى خفض توريد الغاز فانعكس الوضع على الطاقة الكهربائية العراقية. ويقولون أن بغداد دفعت قسطاً يسيراً من ديونها. وهذا الدفع لم يكن نقداً بل مقابل شراء بعض السلع من الخارج لصالح إيران كلقاح كورونا.
كما يصر الإيرانيون على أن الديون المستحقة على العراق بسبب الغاز والكهرباء تصل إلى خمسة مليارات دولار.
نلاحظ أن الديون حسب الحكومة العراقية 2.5 ترليون دينار (1692 مليون دولار). في حين أن المبلغ المخصص لسداد الديون في القانون 4 ترليون دينار.
نجمت هذه المشاكل مع إيران بسبب السياسة الاقتصادية الفاشلة للعراق الذي لم يستطع تأمين الأمن الطاقي للمواطنين رغم كونه من أكبر البلدان المصدرة للنفط في العالم. لديه إذن إمكانات لاستغلال الغاز المصاحب.
ولهذا القانون جانب آخر يرتبط بدستوريته. ففي 15 أيار 2022 أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً يتعلق بطلب رئيس الدولة الاستفسار عن معنى عبارة “تصريف الأمور اليومية” لمجلس الوزراء. لم نجد إجابة مباشرة ودقيقة على الطلب إلا في السطور الأخيرة من الصفحات السبع من القرار.
وهذه السطور منقولة عن الفقرة الثانية من المادة 42 من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم 2 لسنة 2019.
تنص هذه الفقرة على ما يلي “يقصد بتصريف الأمور اليومية اتخاذ القرارات والإجراءات غير القابلة للتأجيل التي من شأنها استمرار عمل مؤسسات الدولة والمرافق العامة بانتظام واضطراد. ولا يدخل من ضمنها مثلاً اقتراح مشروعات القوانين أو عقد القروض أو التعيين في المناصب العليا في الدولة والإعفاء منها أو إعادة هيكلة الوزارات والدوائر”.
بمعنى لا يحق للحكومة تقديم مشروع قانون الأمن الغذائي. بطبيعة الحال يدخل الأمن الغذائي في نطاق تصريف الأمور اليومية. وبالتالي من واجب الحكومة العمل على تحقيق هذا الأمن دون تقديم مشروع قانون. لكنها لم تكتف بتقديم مشروع القانون بل ذهبت إلى تقديم مشروع يتناول عدة جوانب لا علاقة لها بالأمن الغذائي.
والغريب في الأمر أن مجلس النواب صوت على المشروع مع علمه بأن المحكمة الاتحادية سبق وأن قررت عدم دستوريته. لا شك أن قراراها يتعلق بالنسخة الأولى للمشروع وليس بالمشروع الذي صوت عليه مجلس النواب. لكن المحكمة لم تبن قراراها على مضمون المشروع بل على عدم صلاحية الحكومة في تقديم مشاريع القوانين كيفما كان مضمونها.
والغريب أيضاً موقف الأحزاب الموافقة على المشروع الذي يربط بين تطبيق القانون والحكومة القادمة المنتخبة. علماً بأن القانون لا يشير في أية مادة من مواده إلى هذا الربط. فهو إذن قابل للتطبيق الفوري حال استيفاء الشروط الإجرائية للتشريعات العادية.
المشكلة الأساسية في العراق ليست في اتخاذ موقف من هذا القانون حتى وإن لم يكن دستوريا.
المشكلة ترتبط بالتراجع المستمر لمستوى معيشة المواطنين رغم تحسن مالية الدولة التي انتقلت من عجز مزمن إلى فائض هائل قد يصل في نهاية السنة الجارية إلى أربعين مليار دولار أي ستين ترليون دينار.
المشكلة في المصرفات العسكرية بما فيها نفقات الحشد الشعبي. والمصروفات ذات الطابع الطائفي غير الإنتاجي كالمبالغ الممنوحة لجميع إدارات الأوقاف. والاعتمادات الضئيلة المقررة للتنمية الصناعية والزراعية وكيفية تنفيذها.
المشكلة ناجمة عن تكريس الريعية والحيلولة دون تنويع مصادر الدخل القومي. كما فشلت السياسات المالية والنقدية والاستثمارية برمتها. ويتأتى هذا الفشل من الفساد المالي المستشري والنظام الطائفي المتخلف وشكل الدولة الفيدرالي غير الملائم والتبعية لإيران ذات الأبعاد المتعددة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك