العراق اليوم

أميركا والشرق الأوسط (2)

مصدر الخبر / الاخبار

سبب إخفاق الرؤية الرومانسية المبكرة السابقة نحو الشرق الأوسط إنما هو إخفاق في قنوات الاتصال، خصوصًا مع القطاعات الاجتماعية المثقفة في إقليمنا هذا بسبب عدم الاستقرار. وبينما ازدهرت دكتاتوريات عديدة في الشرق الأوسط من خلال حجب القيم الأميركية عن شعوب المنطقة، فإن الولايات المتحدة لم تبدِ اهتمامًا كافيًا بهذه الشعوب وبالدعاية التصحيحية والصحيحة لمبادئها وسياساتها لإشاعة هذه القيم الرفيعة، مستفيدة بذلك من بقاء السلطة بيد هذه الأنظمة الشمولية التي شوهت سمعة أميركا وسوَّدت صورتها. وقد ارتهن هذا الموضوع بمراحل التشكيل التدريجي المتواصل لصورة أميركا، وهي صورة لا يمكن رسمها أو تلوينها بين ليلة وضحاها بدون جهد كبير والتزام عملي حقيقي بالقيم التي احتفظت أميركا بها لنفسها، ثم لسواها من دول العالم الغربي، بالرغم من أن بعض الأنظمة المحلية أساءت فهم صمت أميركا حيال خرق هذه القيم كصفقة “النفط مقابل استثمارات اقتصادية” كبيرة، إذ قادت، في نهاية المطاف، إلى تقوية وتعزيز الجانب البراغماتي والنفعي للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط. إنه لمن المهم أن نلاحظ في هذا السياق بأن الصورة المشوهة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بقيت حبيسة نفاق بعض الأنظمة التي كانت تبدو صديقة لواشنطن على السطح، بينما كانت هي المسؤولة عن إنتاج وتشويه صورة أميركا أمام شعوبها عبر الإقليم عمدًا، كي لا تطالب تلك الشعوب بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي لا تستطيع تلك الأنظمة الرجوعية المعوقة أن تقدمها للجمهور. لو أننا عمدنا إلى كتابة قائمة بالأنظمة الصديقة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن هذه القائمة لا بُدَّ وأن تؤشر الطريقة المؤسفة التي تقدم من خلالها صورة أميركا، كصديقة لهذه الأنظمة الشمولية على نحو سلبي يقود إلى خلق موقف معادٍ لأميركا بين قطاعات الشعب الواسعة: فخلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، لم تكن هناك محكات جادة يمكن أن تساعدنا على قياس أو معاينة الأساس المربك للعلاقات الأميركية بحكومات وشعوب الشرق الأوسط، باستثناء حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل (1973)، ثم أزمة حجز موظفي السفارة الأميركية بطهران، وهما الحادثتان الأهم اللتان جهزتنا بالمحكات التي تجسد إخفاق قنوات الاتصال المذكور أعلاه. المحك الأول جسَّد انحياز واشنطن لإسرائيل، بينما مكّن المحك الثاني الرئيس السابق صدام حسين من استثمار العواطف المضادة لأميركا لبلوغ أهدافه وضم الكويت على حين غرة (1990)، بدعوى وجود ضوء أميركي “أخضر” تمثل في سوء فهم كان قد شاب مقابلته للسفيرة الأميركية ببغداد، إبريل جلاسبي، يوم 25 يوليو، 1990. أتاحت عملية الغزو للولايات المتحدة التدخل. ثم تحت تأثير شبح هجمات 11 سبتمبر وآثارها المأساوية، قرر الرئيس بوش الابن أن ينفس عن غضبه ضد واحد فقط من أضلاع المثلث الذي أسماه بـ”محور الشر” في سياق الحملة المضادة للإرهاب، منتقيًا العراق تحت حكم صدام حسين.
يمكن مباشرة قرار الرئيس بوش بغزو العراق من جوانب مختلفة على سبيل الخروج بفكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط انطلاقًا من بغداد، على سبيل تشكيل ما يُسمَّى بـ”الشرق الأوسط الجديد” الذي يراد له أن يحل محل الشرق الأوسط التقليدي الذي أخذ يتفكك كما نرقبه الآن. علمًا أنه من بين الدوافع والإرهاصات التي كمنت خلف قرار الرئيس الأميركي لغزو العراق كانت هناك ثمة إرهاصات سيكولوجية خفية من النوع الذي يمكن استرجاعه وتحليله لتجهيز القراء المهتمين بأبعاد غامضة قد لا تكون خطرت على بال أحد، كأن نباشر هذا القرار بالغزو كإجراء لإعادة الاعتبار للذات أو للتأكيد على وجودها الفاعل بعد ما تكبدته أميركا في مأساة 11 سبتمبر، 2001. لقد وضعت هذه الأحداث الساخنة الرئيس الأميركي على المحك التاريخي. وقد زاد البُعد النفسي الجمعي من أهمية وضرورة عملية الغزو، إضافة على الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية التي بقيت تضغط باتجاه المباشرة بإسقاط الحكومة العراقية. ولكن مع هذا، نسأل: لماذا العراق أولًا، وليس أية دولة مهمة أخرى في المنطقة الغنية بالبترول؟
حسب مقالة مفيدة بعنوان “قراءة العراق” كتبها جورج فريدمان Freidman، يمكن تلخيص الأهداف التي توختها الولايات المتحدة للمباشرة بغزو العراق، باثنين، وهما: (1) أن تكون أميركا في وضع يتيح لها الضغط على دول جوار العراق من أجل تجهيزها بالمعلومات الاستخبارية حول منظمة القاعدة؛ و(2) استعراض الجبروت العسكري الأميركي وعكس قوة وإرادة واشنطن التي كانت بحاجة ماسة لأن يتذكر الجميع جبروتها عن طريق توظيف مبدأ “الصدمة والترويع” المربك. ولكن إضافة لهذه الأهداف التكتيكية الاستراتيجية، لا يمكن للمرء أن يستبعد بعض الدوافع اللاواعية الدفينة التي تفاعلت في دواخل النفس الأميركية للذهاب إلى بلاد الرافدين وليس إلى سواها، أي إلى العراق الحديث. يمكن لهذه الإرهاصات أن تتواشج بـ”المزج القادم بين الشرق (الهند) والغرب”، وهو جوهر حلم كولومبس الذي لم يتحقق للوصول إلى الشرق من ناحية الغرب، حلم كان قد أوحى به الشاعر الأميركي “إيرنست فينولوسا” Fenollosa (1853-1908)، إذ كتب يقول:
“لم يكن كولومبس واكتشافه سوى مدخل لحلم لا يزيد عمره على أربعة قرون، فقد كنا عقبات على مساره نحو الغرب الذي وجب السيطرة عليه قبل كل شيء. وها نحن ندشن اليوم حلمه حرفيًّا ونحمل بيارق العنصر الآري لسفنه إلى حيث أراد أن يغرسه على مرتفعات شرق يستيقظ.
  • أميركا والشرق الأوسط (1)

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك