اخبار العراق الان

زواج الاغتصاب… "جريمتان" ضد المرأة العراقية

مصدر الخبر / بغداد اليوم

بغداد اليوم – متابعة

جرائم الاغتصاب لا تقتصر على مجتمع من دون آخر، وهي في تزايد مستمر، لكن الذي يُعدّ أكثر بشاعة وانتهاكاً لحق الضحية هو حينما يكافأ المغتصب بتزويجه من الضحية بدلاً من إنزال أشد العقوبات به.

الثابت في علم النفس أن كل “ممارسة فراش” للمغتصبة مع الجاني تُعدّ عملية اغتصاب جديدة. وتنص المادة 398 من قانون العقوبات في العراق، الذي يسمح للمغتصب بالزواج من ضحيته، على أنه “إذا عُقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المجني عليها، اعتُبر ذلك عذراً قانونياً مخففاً لغرض تطبيق أحكام المادتين 130 و131 من قانون العقوبات”.

كما تنص المادة على أنه “إذا انتهى عقد الزواج بطلاق صادر من الزوج بغير سبب مشروع أو بطلاق حكمت به المحكمة لأسباب تتعلق بخطأ الزوج أو سوء تصرفه، وذلك قبل انقضاء ثلاثة أعوام على الحكم في الدعوى، يعاد النظر في العقوبة لتشديدها بطلب من الادعاء العام أو من المجني عليها أو من كل ذي مصلحة”.

يعزو البعض أسباب هذا القانون إلى مرجعية المشرعين وتأثير علامات الذكورة الاجتماعية المسيسة فيهم، التي تتحول إلى قانون، وقد تكون بسبب مواصلة عادات وتقاليد عفا عليها الزمن، مثل الدية العشائرية، أو “الكصة بالكصة”، أو الزواج من القاصرات إلى آخره من هذه الظواهر الذكورية، التي تستحوذ على المجتمع.

مسودة لم ترَ النور

القاضي هادي عزيز، المتخصص في الأحوال الشخصية، يعلق معترضاً “كلفنا المجلس القضائي الأعلى عام 2018 وضع مسودة قانون جديد، وتمكّنا من إنجازها وإزالة جميع النصوص القانونية التي تنشر التمييز ضد المرأة، بما فيها هذه المادة، فألغينا تأديب الزوجة والزنا في بيت الزوجية، إلا أن المسودة لم ترَ النور حتى الآن”.

 

وقال إن من يرتكب فعل الاغتصاب مجرم بما تعنيه الجريمة من جميع أركانها المعنوية والمادية والشرعية، ويعاقب على وفق هذه الصيغة. وأضاف أن تزويج الجاني من الضحية بمثابة “مكافأة للمغتصب، على الرغم ممن يفسرها كأحد أبواب الستر”.

بدوره، يرى الخبير القانوني علي التميمي أن المادة398  توقف جميع الإجراءات القانونية بحق الجاني، سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة أو حتى في مرحلة التمييز. فإذا “تزوج الجاني من المجني عليها بعقد صحيح زواجاً لا تقل مدته عن ثلاثة أعوام، تسقط جميع الإجراءات القانونية بحقه”.

 

ذكورية وقبلية

وقال التميمي إن المادة 398 ألغيت في معظم البلدان العربية، مثل تونس والأردن ولبنان ومصر، وكذلك في المغرب بعد حملات اعتراض كبيرة خلال عام2012  وبضغط نسوي كبير على خلفية انتحار الفتاة المغربية (أمينة الفيلالي، 16 سنة) بسبب الحكم بتزويجها من مغتصبها، بناءً على المادة 475 في القانون المغربي، التي تقول “تسقط العقوبة عن المغتصب في حال قبوله الزواج من ضحيته”.

 

واستطرد بأسى، “في هذه المادة ظلم حقيقي للمرأة، وفي قانون العقوبات مواد تبرز فيها النزعة الذكورية والقبلية أيضاً”. وأضاف “توجد مواد في قانون العقوبات مشابهة كالمادة 41 التي تتيح للزوج ضرب الزوجة، والمادة 409 المتعلقة بغسل العار”.

 

ذهب القرار 91 عام 1987 الصادر عن مجلس قيادة الثورة، إلى المواد المخففة في قانون العقوبات، وهي المواد 132 و131 فإذا كانت العقوبة هي الإعدام، تخففها محكمة الجنايات إلى الحبس لمدة سنة، كما تلجأ المحكمة إلى المادة 144 من قانون العقوبات لإيقاف التنفيذ وإخراج الجاني، هذا إن لم يكُن قضى هذه المدة في التوقيف، بحسب ما أفاد التميمي.

 

انتهاك لحقوق الإنسان

وصفت الأمم المتحدة المادة 398 بأنها انتهاك لحقوق الإنسان، وقالت إنها جريمة ضد الإنسانية وتخالف المواد 14 و15 و29 من الدستور العراقي، المشابه لموضوع النهوة (حين يمنع ابن العم ابنة عمه من الزواج). كما اعتبرها المجتمع الدولي جرائم ضد الإنسانية، كما أنها المادة الخامسة من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال العنف ضد المرأة.

 

وفي مثل هذه الجرائم، لا تراعى حالة المرأة النفسية والاجتماعية ولا يراعى ركن الرضا (المشوب بالإكراه)، فرضاها يقترن بسحق إرادتها، وهذا يخالف ميثاق العهد الدولي للمواد 7 و8 و9.

 

وأكد التميمي ضرورة إلغاء هذه المادة، ووفقاً لقاعدة القانون لا تلغى ولا تعدل إلا بقانون، فيجب أن تلغى من البرلمان أو يطعن بها أمام المحكمة الاتحادية، نظراً إلى مخالفتها كل تلك المواد.

 

ليس بإجبار الضحية

في السياق ذاته، ترى نقيبة المحامين أحلام اللامي أنه بالإمكان تعديل أو إلغاء أي مادة في أي قانون كان، وذلك بعد اقتراح التعديل والجدوى من تعديله، بالتالي فإن مجلس النواب هو المتخصص الوحيد في التشريع.

 

وأضافت “يكفي أن نلاحظ تسمية هذه المادة ’زواج المغتصب من الضحية‘، فالزواج كما هو معلوم لا يكون بإجبار الضحية، بل يشترط رضاها، وإن لم ترضَ فسيعاقب الجاني بالعقوبة ذاتها من دون تخفيف”، واختتمت “يبدو أن هناك سوء فهم في تطبيق هذه المادة”.

 

وعلى خلفية الموضوع، أشار الخبير القانوني ماجد مجباس إلى أن المشرع نظم مجموعة من الحلول، أعطى ضمنها الحق للضحية في الاختيار بين إنزال أقسى العقوبات بالجاني أو الزواج بالضحية، شرط بقائه لمدة ثلاثة أعوام تحت رقابة السلطة، وفي اللحظة التي يظهر عدم جديته، يعاد تحريك الدعوى ضده وتنزل به العقوبة.

 

وقال “عموماً، يبقى الخيار بيد الضحية، وهي غير ملزمة قبوله، بل بإمكانها أن تتمسك بالمواد الباقية وتنزل به العقوبة”.

 

وجهة نظر المجتمع

يتبنى المجتمع العراقي الأعراف والتقاليد أكثر مما يلجأ إلى القانون، وما المادة 398 إلا محاولة لترسيخ العرف على حساب القانون، وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة، هل تجرؤ المغتصبة على إخبار ذويها بما وقع عليها من جرم؟

 

المتخصص في علم الاجتماع خالد الوادي قال إن الإجابة عن هذا السؤال معقدة وشائكة، وتتفرع على أساسها حلول كثيرة، لكن ما رد فعل المجتمع إزاء المرأة التي تتعرض للاغتصاب؟ هل سينصفها المجتمع أم يسقط عليها جزءاً من اللوم؟

 

ويرى أننا “أمام ثقافة العيب المتجذرة التي يراعيها القانون للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، وهي ظاهرة تعقّد سبل تطبيق القوانين المتعلقة بالمرأة”.

 

“العملة السودة”

يطلق على هذه الجريمة في القانون “المادة 398 “، بينما تطلق العشيرة عليها “العملة السودة”، وعادة ما يبادر شيوخ عشيرتَي الضحية والجاني إلى إرغامهما على الزواج لتكميم الموضوع.

 

الحقوقية والناشطة في جمعية “نساء بغداد” رشا خالد حلول قالت إنه على الرغم من أن الضحية مسلوبة الإرادة وفريسة لهذا العمل الدنيء، تبقى نظرة المجتمع إليها دونية.

 

وتذكّر بحالة لفتاة في عمر الـ16 سنة تعرضت للاغتصاب وهي يتيمة الأم تسكن لدى والدها وزوجته، ولكي ينفد الجاني من العقاب على فعلته، نصحه ذووه بالزواج من الفتاة المغتصبة، ثم الزواج من ثانية بعد مضي فترة قصيرة”. وتبرر والدة الجاني فعل الاغتصاب، “نحن نرى أنها السبب في غوايته، ولو كانت ملتزمة لما اغتصبها ابني”.

 

وتعتبر حلول أن ذلك “امتهان لكرامة المرأة وإنسانيتها، فما بالك بالضرر النفسي الذي يلحق بها طوال حياتها”. وتتساءل “كيف تُبنى الأسرة التي وصفها رب العالمين بالمودة والرحمة على اغتصاب وإكراه؟ وتوضح أن كثيراً من الحالات المشابهة تُعرض عليها في عملها وكثراً منهن يهجرن بعد الزواج. وشددت على “أننا بحاجة إلى حملة وطنية في الوقت الذي نجد ’الدوغما‘ أو العقيدة الدينية بشكلها العالي لا تسمح لنا بالكلام”.

 

زواج لا يغطي الاغتصاب

وأشارت حلول إلى أن جمعية “نساء بغداد” بادرت بحملات عدة خلال الأعوام الماضية للدفاع عن حقوق المرأة، كانت الأخيرة منها تحمل “عنوان زواج لا يغطي الاغتصاب”، لافتة إلى اعتماد الجمعية على مناهج متعددة لتحريك الرأي العام، آخرها مسرحية قدمت في الساحات والمولات وشارع المتنبي، كما عززت الصورة بدلالات عروسة وقاضٍ، وكُتب على فستانها من الخلف “عروس مغتصبة”.

 

إحصاءات

يصعب توفير إحصاءات عن عدد حالات الاغتصاب لدى المحكمة أو لدى أي جهة حكومية أو أهلية، لأن الموضوع حساس ويرتبط بالوصمة الاجتماعية، وعادة ما يغلق في المحكمة بعد عرض الدعوى على القاضي، فيشترك هذا الأخير مع “أهل الجاني” لغلقها.

 

وأشارت الحقوقية حلول إلى أن “كثيراً من الحالات هذه انتهت بإقفال القضية، ولأننا مجتمع محافظ ومنغلق، فيتم التستر على هذا النوع من الجرائم، لأنها تترك وصمة عشائرية ومجتمعية، فتغلق القضية على حساب المغتصبة”.

 

ضعف الأدلة الجنائية

في قانون العقوبات العراقي، لا تزيد عقوبة غالبية جرائم الزنا واللواط وهتك العرض وزنا المحارم على10  أعوام، ويمنحون أحكاماً مخففة تصل أحياناً من خمس إلى ثلاث سنوات، وأحياناً تكون مع وقف التنفيذ.

 

وتشكو حلول من أن “الأدلة الجنائية لدينا ضعيفة جداً”. ومعروف اعتماد الدعاوى المتعلقة بالزنا والاغتصاب وغيرها على قوة الأدلة الجنائية وقوة الفحوصات، إلا أننا نفتقد ذلك، وكثير من القضاة يكتفون بالأدلة الثانوية كالصور والشهود، من دون طلب تحليل الحمض النووي، كما تعمل الجنايات في بقية البلدان.

 

هذا القانون وغيره من القوانين الذكورية، تضع القضاء صاحب العلاقة أمام مسؤولية كبيرة، وكذلك البرلمان صاحب التشريع، وأمام منظمات المجتمع المدني، خصوصاً تلك التي تُعنى بقضايا المرأة، وأمام الهيئة المعنية بقضايا المرأة في منظمة الأمم المتحدة UNDP، وأخيراً أمام السلطة الرابعة التي لا تتوقف عند هذه القضية بسبب أنها هي الأخرى متأثرة بالذكورية التي تهيمن على كل مناحي الحياة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك