العراق اليوم

دروبُ الموت (22) إحتجازي داخل سفارة إيران ببيروت

مصدر الخبر / الاخبار

سافرتُ من كندا الى لبنان الشقيق مرورا بفرانكفورت ثم مطار بيروت العاصمة، كان هذا في شتاء العام 2015. القصد من سفرتي هذه تختلف عن تفاصيل هذه الحلقة لكن الوقائع تتغير مع حركة الإنسان بقصد أو بغير قصد. سأفضح تفاصيلها فيما بعد وقد تكون مثيرة. خرجتُ من المطار والظلام مازال لم ينكشف بعد فاستأجرتُ سيارة أجرة الى كراج السيارات التي تذهب الى مدينة بعلبك (مدينة الشمس). فعلا وصلتها بعد شروق الشمس مُتعَبا والنعاس أخذ مني مأخذه. أنزلتُ حقائبي ووضعتها على الثلج المتساقط طوال الليل الذي وصفه أهالي بعلبك أنه الأكثر غزارة منذ أكثر من خمسين عاما. بقيتُ لوحدي أقلب بناظري عسى أن أجد َمن يعينني على حمل حقيبتين كبيرتين جلبتهما من كندا وفيهما قطع ملابس كثيرة ومختلفة لمنحهم هدايا  لمَن يستحقونها من المهاجرين السوريين في لبنان. في الأثناء أقبل علي شاب في الثلاثينات من عمره أدى عليّ التحية وسألني فيما لو أحتاج مساعدة. شكرته كثيرا وأثنيت عليه ثم طلبت منه مساعدتي بإيجاد فندق لائق بنظافته وأمانه. أشار على فندق إسمه (الجَّمَال) الذي لا يَبعد عن الآثار التي تشتهر بها المدينة وحيث أقف سوى 30 مترا تقريبا، وقال أنا أعرف أحمد الحلبي الذي يديره فهو شاب طيب. حمل هذا الشاب الذي لا أعرفه حقيبتَيّ الواحدة بعد الأخرى ووضعهما داخل الفندق، فدخلتُ أنا ودخلت على قلبي السكينة، وفي وقت لاحق تعرفت على صاحب الفندق هو الدكتور حبيب الجَمّال الذي يملك (مختبرات الجَمّال الطبية) المقابلة للفندق وصار بيننا لقاء يومي. كان رجلا متعلما ومن عائلة لها صيتها في عموم لبنان (وافاه الأجل قبل أشهر). حاول هذا الشاب مغادرة الفندق بعد أن سألني إن أردتُ شيئا آخر أم لا، لكنني تمسكت به وطلبتُ منه زيارتي في المساء لأني بحاجة الى النوم الآن. فعلا عاد في موعده وجلسنا في غرفتي نتحدث بالعموميات. في مساء اليوم الأول سألتُ أحمد الحلبي عنه أثنى عليه وقال إسمه محمد، فلسطيني الأصل مولود في بعلبك، بيته ليست ببعيد عنا، وسمعته طيبه. فالوصف كان صحيحا ودقيقا. طلبت منه ذات مرة أن يجد لنا سيارة نستأجرها أسبوعا كاملا. فعلا ذهبنا الى مكتب السيارات كما أتذكر على طريق مدينة زحلة. إستلمت السيارة بإسمي وسائقها محمد الفلسطيني، زرنا مناطق عديدة حول مدينة بعلبك. وفي يوم آخر هاجت في جلدي (الحساسية السياسية) لأسئل محمد عن عنوان السفارة الإيرانية ببيروت، أجابني أنه لا يعرف بالضبط ولكن ليس من الصعب عليه. في الصباح توجهنا بسيارتنا الى العاصمة وسألنا فيها عن عنوان السفارة حتى بلغناه وكان بمنطقة بئر حسن. توقفت سيارتنا بعيدا عن المبنى المُطوق بحراسات إستثنائية بعد حادث إرهابي مقيت وقع عليها (أتذكر نشرتُ إستنكارا في حينه وأنا في كندا). كذلك محمد بقى بعيدا ينتظرني فدخلت مكتب الإستعلامات وسلمت هاتفي وسط إحترام وتوقير، ثم دخلتُ المبنى وفي الداخل طلبت مقابلة مَن يهمه الأمر في السفارة بعد أن أعطيتهم إسمي الكامل. إنتظرتُ أكثر من نصف ساعة جائني بعدها موظف لبناني الجنسية له شأن وموقع. جلسنا نتبادل أطراف الحديث موضحا له تاريخ علاقتي الغير محمود بالمؤسسة الأمنية الإيرانية ومع هذا فأنا أريد السفر الى إيران لزيارة العتبات المقدسة والإستمتاع بقدسية الأجواء الجميلة هناك بعيدا عن قرَف المخابرات الكندية. خلال الحديث معه لا أخفي من أنني شكوت له أحوالي والمخاطر التي واجهتني منذ العام 1988 حتى ساعة اللقاء. إتفقنا على لقاء آخر وكنتُ جادا بزيارة إيران. غادرتُ مبنى السفارة بعد الساعة الواحدة وقد خلت من كثير من موظفيها فيما تأخرتُ على زميلي وانزعجت لهذا التأخير مع أني أخبرته بهذا الإحتمال وأبدى موافقته. وصلتُ الى الشارع حيث المكان الذي يجلس فيه فلم أجده ورحت أغرق بالتفكير والظنون حتى خرج عليَّ بعد نصف ساعة واحدٌ من الحرس ليخبرني أن محمد داخل المبنى بغرض إستجوابه. تحدث لي مسؤول بالحراسة أنه كان يروح ويجيء أمام العارضة وينظر الى المبنى كثيرا، طمأنني بهذا الخبر فهو أهون الشرَّين وقلت له (لكم الحق) لكنه فعل ذلك لأني تأخرت ساعات غير متوَقعة داخل السفارة، ولما طالبتهم بتحريره امتنعوا حتى إكمال الإجراءات المطلوبة. هنا لم يبق لي من صبر سوى تعنيفهم بعبارات أنا أسفتُ عليها فيما بعد. بعد كل هذا جائني أحدُهم وطلب مني الدخول ففعلت وذهب بي الى مكتب الحراس فجلستُ فيه، أخذ يحقق معي بكل أدب وخلق رفيع حتى جن علينا الليل والتقيت بزميلي وجلسنا سويا نشرب الشاي ثم افترقنا عندما جائني محقق آخر وهو بحريني الجنسية وسألني عدت أسأله وكنتُ واضحا وقويا الى حد أنه خجل من تكرار الأسئلة. بعد الساعة التاسعة ليلا طلبوا منا المغادرة وأسفوا على التأخير. ذهبنا الى سيارتنا المتوقفة قرب المبنى، صعدنا فيها واتجهنا حيث وجهتنا وبعد أمتار فقط لاحظتُ سيارتين عسكريتين تخرجان من مبنى السفارة وتسرعان باتجاهنا فاعترَضت واحدةٌ منهما سيارتنا من الأمام والأخرى خلفها ونحن على الشارع العام أمام مبنى السفارة. نزل العسكر منهما وصرخ أحدُهم بعد أن هجم بطريقة المُختطِف وطلب منا النزول ونجلس الى المقعد الخلفي لسيارتنا التي تحيطها أفراد المجموعة المُكلفة والمَّدججة بالرشاشات، ثم أمرنا أن نطأطأ رأسَينا ففعلنا وسارت بنا سيارتنا التي يسوقها عنصر الإستخبارات لنصف ساعة تقريبا ولا نعرف الوجهة في حينها. رفعنا رأسَينا داخل معسكر كبير فيه حراسات مُشدَّدة. نزلنا وأخذونا الى جانب من هذه المؤسسة ثم بدأ التحقيق معنا. طمأنني أحدُهم أن ليس هناك عليكم من ضير، إطمأنوا. شكرته على كلمته وقلت له أنا مطمأن طيلة النصف ساعة الماضية وما قبلها لكنني أشعر بالقلق من أجل زميلي الذي لا ذنب له أما أنا فهذا عنوان مسيرتي وحياتي. ضابط استخبارات لبناني رائع بكل مواصفاته حقق معي تحقيقا روتينيا ثم كتب آخر عبارة ما معناه (وأطلق سراحُهما بأمر العقيد أو النقيب فلان). ولما سألت المحقق، هل ستعترضنا عملية إختطاف ثانية حال مغادرتنا أم كيف… ضحك وقال انتهى كل شيء فانت آمن في بلدك لبنان ( المؤسسات الأمنية اللبنانية لفتت نظري بمهنيتها وحسن معاملتها في مواطن كثيرة قد أسردها في حلقة مستقلة قادمة). حاولتُ أن أجدَ تفسيرا لعملية الإختطاف السريع بواسطة الإستخبارات اللبنانية من أمام مبنى السفارة الإيرانية فوجدته وكنتُ دقيقا. فكان كالتالي:
السفارة الإيرانية ملتزمة بعملها وما يترتب عليها من تعليمات الدولة المضيِّفة مثل لبنان فهي لا تريد أن تتصرف لوحدها دون إطلاع الجهات الرسمية اللبنانية بالصغيرة والكبيرة. فبقائنا ساعات وحتى الليل داخل مبنى السفارة يثير الشك لدى الجهات الأمنية اللبنانية وقد يتم اعتقالنا من قبلهم وما يترتب عليه من إحتمالات لا نستحقها مع إحساسي بالندم الإيراني جرّاء سلوكهم التافه، لذا فقد قامت بالإجراء الآخر كي تُغلق أبواب الشك ونتيجة إطلاق سراحي كانت بترتيب من السفارة نفسها بعد التواصل المستمر مع طهران. علما بأن الإيرانيين لو توفرت لديهم ضدي مثقال ذرة لأي تهمة تمس أمنهم سأصبح في خبر كان، هكذا وضعي أينما أكون (في يوم الإثنين المنصرم كنت في أمريكا التي أعارض سياستها بشدة خصوصا في بلادي وفلسطين دخلتها بكل ارتياح واحترام وخرجتُ منها عزيزا). وقد يسألني سائل، هل أخبرُ سفارة كندا بكل ما يجري عليّ في هذا العالم .. جوابي (لا) أنهم يعرفونني من عملاء إيران (شك متلبس باليقين)، ويحسبونني نكرة لا قيمة لي، وبالمقابل أنا لا أثق بجهاز المخابرات الذي حاول هدر دمي وتفقيري، ولا أعني الدولة وسفاراتها فهي عنوان فخر واعتزاز، لكن المؤكد تبقى النتيجة رهينة بتوصيات هذا الجهازالصهيوني. لقد دافعتُ عن سمعة الجمهورية الإسلامية ومنجزاتها أكثر من ثلاثة عقود وخسرتُ بهذا السلوك الذي لا أندم عليه كل شيء في كندا تحت طائلة حقدها على إيران وشكوك جهاز مخابراتها الذي يتعقبني في غرفة نومي وفي أي مكان من هذا العالم، لكن طبيعة ( الإنسان الإيراني الرسمي) أنه قليل حياء ووفاء بغلاف يوهم به الجاهلين. الذي أود التركيز عليه في كل كتاباتي ما أعنيه هو دفاعي عن موروث الإمام الخميني العظيم بوجوب تحرير القدس الشريف وليست الدفاع عن رئيس يترأس ولا وزير يستوزر، هذا هو الوهم الكبير الذي سقطت فيه مؤسسة المخابرات. بعد إطلاق سراحنا غادرنا المكان فتعرَّفَ زميلي على المنطقة التي نحن فيها وكانت (الضاحية الجنوبية). وصلنا الى مدينة بعلبك منتصف الليل مثقلين بعناء التعب، وفي صباح اليوم التالي اتصلت بموظف السفارة الذي قابلته أول مرة وأخبرته بما حدث فأسف وتذمر بطريقة لا تخلو من الحيلة والمماطلة ولم أره بعد. إعتذرتُ كثيرا لزميلي الفلسطيني لما جرى عليه خارج إرادتي لكنه تفهم الأمر وهو متعلم ويحمل شهادة في الهندسة. بعد أسبوع من هذه الحادثة قضيتها في مدينة بعلبك غادرت لبنان الى مملكة المغرب (لنا فيها قصة قد نسردها). مدينة بعلبك تعتبر عاصمة المقاومة اللبنانية، أجدُ فيها راحتي والأمان الذي أبحث عنه في كندا ولم أجده. فكلما زرتُ لبنان زرتُ هذه المدينة التي يهيمن عليها حزب الله اللبناني، فأقيمُ  فيها بشعور مريح بين أهلي آمنا، في ذات الوقت محتفظا لشخصي بالمواطنة الكندية التي أفخر بها رغم الصعاب والمعوقات. دولة كندا على أقلِّ تقدير لها فضل عليّ وهي موطن أولادي الذين ولدوا فيها وتربوا ومازالوا يمارسون دراستهم وصولا الى مستقبل رائع. إنه فن الحياة المشروع بالتعامل مع الواقع الذي نعيشه. هذه هويتي التي لم تتشوّه رغم الآلام ووقوفي بوجه الظالمين. إلى حلقة أخرى قادمة.
قاسم محمد الكفائي/ كند
ا twitter…@QasimM1958
  • دروب الموت (21).. محاولة إختطافي داخل سفارة إيران
  • (دروب الموت 20) الجاسوسية المزيفة
  • (دروب الموت 19) إعتقالي في مطار برمنكهام عام 1998
  • (دروب الموت 18) حادث الإصطدام المُدبرعام 1997
  • (دروبُ الموت 17) مغادرتي سجن كويته وقصة مذحجي
  • دروبُ الموت (16)
  • دروبُ المَوت (15-C) محاولة إختطافي عام 1989
  • دروبُ المَوت (15-B) محاولة إختطافي عام 1989
  • (دروبُ الموت (15-A) محاولة إختطافي عام 1989
  • (دروبُ الموت 14) من مشهد الى زاهدان والباكستان
  • (دروبُ الموت 13) الهروب أو تسليمي للعراق
  • (دروبُ الموت 12) عملية إختطافي داخل طهران
  • (دروبُ الموت 11) من تفتان الى طهران
  • (دروب الموتُ 10) من إسلام آباد الى كويتة
  • (دروبُ الموت 9) محاولات العودة الى إيران
  • (دروبُ الموت 8) محاولة إختطافي عام 1988
  • (دروبُ الموت 7) كنتُ تاجرَ مُخدرات
  • (دروب الموت 6) الهجرة الى الباكستان واستشهاد سعيد
  • (دروبُ الموت5) الطريق الى طهران.. بداية يأس
  • (دروبُ الموت 4) من الزيبارالى أشنوية وقصة البغلة
  • (دروبُ الموت (3) السجنُ الأخير 1984
  • ( دُروبُ المَوت 2) من الإعدام الى الحرية 1979
  • (دُروبُ الموت 1) من شارع النضال الى الأمن العامة عام1974

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك