العراق اليوم

الأبُ الذي نسيه أبناؤه

مصدر الخبر / الصباح

أحمد عبد الحسين
 

كانَ العراق شاشةً كبيرةً لعرض الفيلم الطويل المملّ الذي عنوانه “الصراع الإيراني السعوديّ”. لم نكنْ دار العرض الوحيدة، فسينمات لبنان وسوريا واليمن تعرض فيلمَ الرعب ذاته، وإذن.. لسنا 

أحمد عبد الحسين
الوحيدين لكننا الأفضل!
في كل هذه البلدان، ومنها العراق، رجال أشدّاء يتفاخرون بانخراطهم في مشروع كلٍّ من إيران والسعودية، لا مشروع يخصّ بلدانهم يدافعون عنه أو يتبنونه، نسوا أوطانهم لأنهم ـ لسببٍ ما ـ رأوا في هاتين الدولتين ركيزتين تاريخيتين تمثلان طائفتيهما اللتين دائماً وأبداً يخرج منهما رجالٌ على مرّ العصور يستعجلون القيامة ويريدون أن يحسموا الصراع الألفيّ الآن 
الآن وليس غداً.
والحال هي الحال. سجالات متواصلة من ألف سنة وحروب ضارية تخاض في جانب منها فقهاً وعقائد وعلم كلامٍ ومدوّنات إخبارية وكتبَ تاريخ وشعراً وأراجيز وكراهية، وتخاض في الجانب الآخر قتلاً وسبياً وثورات وانتفاضات ومجازر ومزيداً من الكراهية. والحال هي الحال، لا الصراع يُحسم ولا الناس يُصيبهم القنوط. ودائماً ثمة قيامة على مرمى البصر تتطلّب جنوداً بواسل للإتيان بها إلينا. والجنود معبأون وأيديهم على الزناد.
ميّزة العراق أنه حين يتكلّم عن هذا الصراع فهو ـ من دون سائر الدول الأخرى ـ لديه حقاً ما يقوله، ويعرف ما يقول وكيف يقول. تاريخياً؛ العراق أبٌ للتشيّع والتسنّن معاً، مرجع أكبر لهاتين الطائفتين اللتين يبدو أنّهما حين أصبحتا مسلّحتين نسيتا أصلهما، وتنكرتا لمنبتهما. الطوائف، أعلامها وركائزها المعرفية مردودة إلى أصل عراقيّ لا ينكره 
إلا فقير علمٍ أو ضمير.
حين ييأس المتحاربون من استجلاب يوم القيامة، وحين يتعبون بعد أن يعرفوا أنّهم يكرّرون مشهداً مملاً حدث كثيراً زمن الأمويين فالعباسيين فالعثمانيين، وكلّهم كان موقناً بأن خلاص طائفته على يديه الكريمتين، وحين يشعرون بالعجز عن حسم صراع القرون بترسانة أسلحة مدمّرة، سيلجأون للعراق!
جوهر هذا الصراع طائفيّ. ليس نافعاً أن نكذب على أنفسنا. قد تتخذ الطائفة مسارب سياسية وعسكرية واقتصادية، لكنّ لبّ هذه المطحنة إرثٌ طائفيّ هو الذي يهزأ بالايديولوجيات العابرة الزائلة فيجعل من حزبٍ ما محظوراً هنا وممجداً هناك بألف لسان.
زبدة القول: ليس من بين هذه الدول مَنْ يصلح أن يكون محلّ التقاء لجنود الطائفتين سوى العراق، وبالتقائهما معاً، قد يفتح بابُ أملٍ لمنطقة هادئة متخففة من أعباء ماضٍ شاقّ، وقدْ؛ أقول قدْ يهدأ بالُ أولئك الذين يستعجلون القيامة، يخلعون بساطيلهم أخيراً ويرتاحون بعد استنفار قرونٍ تلو قرون.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك