العراق اليوم

عادل عبد المهدي يكتب عن تراجع "الديمقراطية"

مصدر الخبر / وكالة نون

بقلم:عادل عبد المهدي

مرت 9 أشهر على الانتخابات المبكرة بشوائبها، ونراوح مع تداعيات انسحاب الفائز الاول، والكتلة الاكبر، وتشكيل الحكومة، الخ. فهل تتراجع الديمقراطية، ام تجدد نفسها، او سيلد نظام جديد؟

الديمقراطية نظام لانتاج حكومات فاعلة تعكس سلماً ارادة الشعب. وستتحول -بتعطلها- الحقوق والحريات الى فوضى وانقسام وفشل وفساد:

1- مؤشرات غربية للتراجع، فكشفت حرب اوكرانيا احادية وعنصرية النظام الدولي، وثغرات الدول الغنية، ناهيك عن الفقيرة، وتعثراتها عندما تتلكأ مغذياتها الاساسية. يعلق ترامب “نحن امة في حالة انحدار لا سابق له. اصابوا بلادنا في ركبتيها، واذلوها عالمياً، واضعفوها. ونتجرأ ونلقي المحاضرات على شعوب ودول اخرى عن الديمقراطية”. ومثله، قال بايدن في عهد ترامب. فهذه ليست منابزات بل حقائق تترسخ. فالمجتمع والدولة تنخرهما انقسامات عامودية وافقية، وصعوبات اقتصادية داخلية وخارجية، وتراجع النفوذ والقدرات الدولية. ويؤكد استبيان “غالوب” الامريكي تراجع نسبة الثقة بالمؤسسات الفيدرالية الثلاث (المحكمة الاتحادية 25% والرئاسة والكونغرس 23%) والصحف (16%) والعدالة الجنائية (14%) والشرطة (45%) والشركات الكبرى (14%).

وفي فرنسا بلغت المشاركة الانتخابية الاخيرة (47.5%)، مقابل حوالي (80%) في الستينات و(60%) في السبعينات و(57.2%) في 2012. ويعود الكيان العبري للانتخابات الخامسة المبكرة دون نجاح في حل ازماته وانقساماته الداخلية. ويقدم “جونسون” استقالته، بعد فضائح وانقسامات بريطانية داخلية حادة. فاسقطته “المقاعد الخلفية” لحزبه، قبل معارضيه. لتصح مقولة تشرشل “مقاعد البرلمان امامك هم المعارضة، اما المقاعد خلفك فهم الاعداء”. (بالمناسبة، الأمر نفسه لرؤساء وزراء العراق، فيسقطهم الاصدقاء قبل الاعداء).

هذه الاتجاهات يؤكدها “تقرير مؤشر الديمقراطية” Democracy Index report الاخير، بتراجع المؤشر العالمي من (5.37) نقطة عام 2010 (المعايير 10 نقاط) الى (5.28) في 2022. والسبب الاساس -باعتقادنا- تفكك نظام الهيمنة العالمي وتراجع قدراته، وارتدادات ذلك وطنياً. يقابله في الدول المستَلبَة تلكؤ البرامج الاقتصادية والاجتماعية، والتدخل الخارجي والفوضى الداخلية.

2- اجرت بي.بي.سي استبياناً واسعاً لـ”شبكة الباروميتر العربي” للمدة (2018-2022)، خلص لاربعة استنتاجات: اولاً، تزايد الذين يعتقدون بضعف الاقتصاد في ظل الديمقراطية. وثانياً، الاهتمام بكفاءة الحكومة وليس طريقة وصولها. وثالثاً، تفضيل الزعامة الفردية القوية. ورابعاً، ترى الاغلبية اولوية الاقتصاد على الكورونا والفساد والامن.

تصدر العراق في الثلاثة الاولى، وأيدها بنسبة 75% (50% في 2018) و79% و87% على التوالي. وانفرد في رابعاً، معتبراً الفساد (26%) التحدي الاكبر قبل كورونا والاقتصاد والامن.

3- لدينا ملاحظات حول مباني الاستبيانات وموضوعيتها ونواياها (كترويج للزعامات والدكتاتوريات). لكننا عرضناها لتأكيدها ازمة “الديمقراطية” التاريخية والبنيانية. وهذه ملاحظات سريعة:

الاولى: اية دولة تُديم منظومة للهيمنة والاحتلال ستتهدد “ديمقراطيتها” ويتعثر اداؤها عند تفكك وتراجع المنظومة، (والغرب مثال). بالمقابل، اية دولة تستَنزفها عوامل التبعية والاستلاب، سيبقى نظامها “الديمقراطي” (او “الاستبدادي”) هشاً، ومحركه ووقوده الخارج اساساً (اوضاعنا مثال).

الثانية: السياسة/الدولة و الاقتصاد/المجتمع متلازمان. فسياسة تسحق الاقتصاد قسراً وكبتاً، واقتصاد يسحق السياسة فوضى واضطراباً. والاجتماع الصالح يرسم موازين فعاليتهما.

الثالثة:  بدأ تاريخ الديمقراطية فوقياً بمجالس الشيوخ، واهل الحل والعقد، الخ. ثم ظهرت عموماً المجالس التمثيلية. وتوسع مفهوم الشعب من خاصة الى عامة (غاب حق تصويت المرأة في الانتخابات العامة في اوروبا حتى القرن العشرين. بريطانيا 1928، فرنسا 1944، سويسرا 1971، الخ).

وفي دولنا، هناك -اليوم- تطور سكاني، بتفوق فئة الشباب (-30 عاماً). فمجلس الشيوخ (الغرفة العليا) يحمل عقل الحكماء (+60)، والسفلى عقل الكهول(+30). وستحتاج العملية (خصوصاً في بلداننا) لالية او لاطار ثالث يحمل مطامح الشباب. فلابد ان تنعكس -تمثيلياً/تنفيذياً- اوزان وطموحات الجميع في مؤسسات الخطط والقرار. وإلا ستتراجع الثقة، ولن يجد كثيرون للتعبير عن “ديمقراطيتهم” غير الشارع والمسالك غير المقننة. فيستهلكون النظام وذاتهم، او يستهلكهم الغير. والاجتماع الصالح يقنن ويناغم المؤسسات، ويقارب ويوحد المرجعيات المفاهيمية والفلسفية، السياسية والامنية والخارجية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية، باتجاه الاداء الفاعل/الناجح.

فالازمات التاريخية والبنيانية تمثل انسداداً للمسالك المتهرئة بفوضاها وفسادها واستبدادها واستلابها وتبعيتها، لكنها ايضاً مفاتيح الجديد لغرب وشمال بلا هيمنة وعنصرية، ولشرق وجنوب اكثر غنى وحيوية.

 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك