العراق اليوم

المعارضة السياسية في العراق: بين إصلاح النظام وإسقاطه

مصدر الخبر / الاخبار

من المتعارف عليه في أغلب النظم الديمقراطية القديمة والناشئة أن الأحزاب السياسية تهدف الى خوض الانتخابات والتنافس السياسي مع الحزب الحاكم، أو مراقبة الأداء الحكومي. ومع ذلك لم تتبنى الأحزاب المعارضة العراقية تلك الأهداف إنما كان الهدف الذي تحمله أجندات المعارضين هو إسقاط نظام الحكم القائم باي وسيلة ممكنة، مع الاكتفاء بالتصورات الأيديولوجية لتحديد ملامح النظام البديل.
مع أخذ ذلك في الاعتبار، ركزت الأحزاب السياسة والقوى المعارضة بشكل كبير على (أسقاط النظام) وفضح انتهاكاته وطغيانه، وذلك عوضا عن العمل من داخل النظام السياسي والضغط لتغيير سياسات بعينها. وعلى هذا الأساس فأن الثقافة السياسية السائدة اليوم في العراق الذي خضع لنظم حكم شمولية لفترات طويلة، لا يجعلنا نتقبل فكرة انسجام المعارضة مع السلطة داخل مؤسسات الدولة، فالمعارضة والسلطة في المفهوم الشمولي نقيضان لا يجتمعان إلا للتفاوض من اجل هدنة مؤقتة.
ورغم أن الديموقراطية العراقية الهشة، قد ساهمت في تغيير نظرة العراقيين في كثير من المسائل والقضايا، إلا أن فكرة المعارضة احتفظت بقالبها القديم. ومع ذلك، وخلال مرحلة وضع الدستور، حرص العراقيين على وضع نموذج سياسي بعيد كل البعد عن ارث الأنظمة الأوتوقراطية، واختارواحكومة برلمانية عوضا عن الحكومة الرئاسية التي تهيمن عليها السلطة التنفيذية و المرتبطة بذكريات الاستبداد، وأصبح العراقيون يمارسون حرياتهم السياسية المتعطشين لها.
وبالمثل حاولت الأحزاب السياسية التكيف مع هذه البيئة السياسية الجديدة وتنافست لتوسيع نفوذها وسلطتها.والواقع أن النظام الديموقراطي في العراق لم ينتج دولة قوية، ولا حكومات فعالة، ولا مؤسسات إعلامية تسهم في ترسيخ ثقافة الراي والراي الأخر بمهارة، فالممارسة السياسية لم تتعزز بثقافة سياسية داعمة، وأن اغلب المشتغلين بالسياسة وقواعدهم الجماهيرية اخفقوا في الفصل بين التنافس والصراع، وبين الجدل والحوار البناء ، وبين التغلب والمسؤولية، وبين الإيمان بتداول السلطة وبين الرغبة في إقصاء الأخر ، فمن اهم الثغرات في النظام السياسي العراقي عدم وجود معادلة متوازنة للمعارضة والحكومة.
قامت التقاليد السياسية العراقية على تجاوز ثنائية (السلطة.. المعارضة) واعتماد مبدأ (المحاصصة والتوافق) الذي يقوم على توزيع المناصب العليا في الدولة على المكونات الطائفية والقومية والقوى السياسية الممثلة لها حسب معياران: الأول هو حصة المكون ويعتمد الثقل السكاني الإثنيات (شيعة سنة كرد تركمان أقليات أخرى). أما المعيار الثاني فهو قائم على حجم القوى السياسية وعدد مقاعدها في البرلمان، إذ أن لكل مكون أكثر من كتلة سياسية تمثله أو تتنافس فيما بينها على كسب استحقاقه من السلطة.
ووفق هذه التقاليد أصبحت رئاسة الجمهورية من حصة الكرد، ورئاسة الوزراء من حصة الشيعة، ورئاسة البرلمان من حصة العرب السنة، وتتبادل هذه المكونات حصصها في شغل نواب هذه الرئاسات، مع منح وزارات ومناصب إدارية للتركمان والمسيحيين والأقليات الأخرى لكي تظهر التشكيلة الحكومية ممثلة لكل المكونات مع غياب المواطنة كأساس لتكوين الدولة.
ومنذ الدورة البرلمانية الأولى عام 2005 لغاية الدورة البرلمانية الخامسة 2021 لم يتمكن ساسة العراق من التخلي عن الأسلوب التوافقي رغم الدعوات المستمرة لتشكيل حكومة أغلبية، فنظام المحاصصة تعرض للكثير من النقد كونه لا ينسجم مع روح الديموقراطية، لكن هناك من يرى أن التوافقية ليست إلا بديل مؤقت عن الفوضى أو الحرب الأهلية أو المزيد من الإقصاء، ويبررون السبب بعدم اكتمال آليات المعارضة ومساحة عملها وقدرتها على التأثير. ومن دراسة الواقع السياسي العراقي منذ 2003 لغاية 2022 يمكننا تقسيم المعارضة السياسية المنظمة في العراق الى أربعة نماذج بعضها يندرج بشكل مباشر ضمن النموذج التقليدي للمعارضة العراقية والبعض الآخر قابل للتطور إلى معارضة أكثر فاعلية إذا ما تبنوا فهما متطورا لدورهم في العملية السياسية العراقية.
المعارضة من خارج العملية السياسية
وهي المعارضة التي أعلنت موقفها وقاطعت العملية السياسية منذ بواكيرها، وكانت في البداية تتشكل من فلول حزب البعث والقيادات العسكرية السابقة وبعض الجماعات المتشددة المتضررة من النظام السياسي الجديد، ورغم أنها لم تكن تمتلك أي حضور جماهيري في بدايتها، إلا أنها تعد اليوم أخطر أنواع المعارضة، كونها تمثل المحاكاة للمعارضة التقليدية السائدة في العرف الشمولي العراقي، أي المعارضة التي تهدف الى إسقاط النظام لا إصلاحه.
ومع تعاقب السنوات انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات الى مستويات قياسية، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة والفساد وعجزت الدولة عن استيعاب الأجيال الجديدة وفشل السياسيين في تنفيذ وعودهم بالإصلاح والبناء.
وفى ضوء ما تم ذكره، توسعت هذه المعارضة وتعاظم دورها وأصبح لها خطاب سياسي وقبول جماهيري، حيث استثمرت مواقع التواصل الاجتماعي وعدد من الفضائيات ووحدت خطابها باتجاه نزع الشرعية الأخلاقية من النظام السياسي القائم على شرعية الانتخابات، وإقناع الجمهور بشرعية الثورة من خلال التركيز على هفوات النظام السياسي القائم ونقات ضعفه وتعبئة الجماهير من اجل إسقاطه.
و يتميز هذا النوع من المعارضة بانه لا يؤمن بالعملية السياسية ولا بمؤسسات النظام السياسي بعد 2003، ولا بشرعية الانتخابات، وتدير معظم أنشطتها من خارج العراق وبالخصوص في الدول العربية. كما أن اهم قياداتها ورموزها وناشطيها مطلوبين للعدالة أو محكومين غيابيا أو مشمولين بإجراءات العدالة الانتقالية، وقد تورط عدد من رموزها بدعم الإرهاب. كما يتبنى هذا النوع من المعارضة سرديات ومفردات مرتبطة بالحقبة البعثية وتنتهج خطابا تعبويا تحريضيا وتعتمد الفضائيات المعارضة ومواقع الإنترنت في إيصال الخطاب بشكل مباشر أو غير مباشر.
المعارضة من داخل الحكومة
هذا النوع من المعارضة رافق العملية السياسية منذ بواكير تشكيلها، ويضم شركاء السلطة الحاصلين على مقاعد أقل في البرلمان، فرغم حصولهم على مناصب ومواقع في الدولة، إلا انهم يستثمرون مراكزهم في الدولة ويظهرون بكثافة على وسائل الإعلام من اجل تأليب الراي العام على الحكومة أو رئيسها، كما انهم يشكلون تحالفات داخل وخارج البرلمان، لا لأجل إسقاط النظام أو إصلاحه، بل لابتزاز رئيس الحكومة أو وزراءه أو بدافع الحفاظ على رصيدهم الجماهيري، أو كسب جماهير جديدة كون الجماهير العراقية تنسجم كثيرا مع الخطاب النقدي التهجمي، أكثر من الخطاب التبريري الداعم للحكومة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا النوع من المعارضة قد أسهم في ترسيخ الاستقطاب الطائفي وأضعاف ثقة الشارع في النخبة السياسية غير المتجانسة، لكن أخطر ما يمثله هذا النوع من المعارضة هو ضلوع بعض رموزها في تسهيل القيام بعمليات إرهابية مثل تورط النائب محمد الدايني في عملية تفجير كافتيريا البرلمان سنة 2007 وضلوع وزير الثقافة اسعد الهاشمي بقتل نجلي السياسي مثال الألوسي عام 2005.
و يتميز هذا النموذج من المعارضة بعدة أمور أبرزها أن أغلب رموزها وشخصياتها من أعضاء البرلمان وأصحاب المناصب السيادية في الدولة، كما تنتهج خطابا نقديا تشكيكيا يستهدف رئيس الوزراء بالدرجة الأساس ثم الأحزاب المنافسة، ودائما ما تشكو من التهميش والإقصاء وتتهم رئيس الوزراء بالديكتاتورية والطائفية. وتنتمي شخصيات تلك المعارضة لأحزاب مهمة لها مساحة تمثيل في البرلمان مثل جبهة التوافق السنية والحزب الإسلامي العراقي والتيار الصدري والقائمة العراقية وبعض القوى الكردية. وتستغل تلك المعارضةإمكانات الدولة في عملها الحزبي وسائل الإعلام التقليدية للدولة في صناعة وإيصال خطابها للداعمين المحتملين، ولها علاقات خارجية خاصة بها بعيدا عن إطار الدولة، وأحيانا تستفيد من القنوات الرسمية للدولة في تحقيق مكسب حزبي. كما أن الكتلة المكونة لهذا النوع من المعارضة هي كتلة متغيرة تشكلها وتفتتها المصالح.
المعارضة الشعبية
وهو نوع من المعارضة ولد من رحم الشارع العراقي بعد عام 2003 لا علاقة له بمؤسسات الدولة، تشكل هذا النموذج من خلال عشرات الاحتجاجات والتظاهرات في بغداد والمحافظات التي نظمها وشارك بها الشباب العراقي الباحث عن فرص اكبر في العمل والحياة، وقد تحركت بعض القوى والأحزاب السياسية باتجاه الشارع للاندماج مع هذا النوع من المعارضة وإدامة واستثمار زخمه السياسي، وكان أول النازلين هو الحزب الشيوعي العراقي والتيار الصدري، وانتج هذا الفعل ولادة كتلة انتخابية شكلها الصدريون والشيوعيون معا خاضت انتخابات 2018 باسم “سائرون”. لكن ذروة الصعود والتأثير لهذا النموذج سياسيا حدثت بعد احتجاجات تشرين 2019 حيث أصبح الشارع قوة ضغط سياسي لا يستهان بها، ويصعب تدجينها.
وما يميز هذا النوع من المعارضة بأنها غير موحدة تنظيميا وتتكون من مجاميع شبابية ومن منظمات المجتمع المدني والنقابات، كما أن غالبية قياداتها من الشباب وتضم عدد مهم من النساء لاسيما بعض الوجوه الإعلامية المعروفة.
كما أنها لا تعترف بالمؤسسات السياسية القائمة وترفض كل تقاليد العملية السياسية وإفرازاتها، لكن ليس بشكل قاطع، و تتبنى خطاب (شعبوي) يقصي النخبة ويتحدث باسم الشعب. الشارع العراقي هو سر ديمومة تلك المعارضة وتأثيرها السياسي حيث لا يمكنها الاستغناء عن الشارع، اذ تعتمد تنظيم الكتل البشرية وتحريكها من خلال التظاهرات والاحتجاجات الموجهة، وتعتمد وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أساسي في تنسيق تحركاتها.
المعارضة داخل البرلمان
وهو النموذج الدستوري المتعارف عليه في النظم الديموقراطية الناجحة، ويضم الأحزاب والقوى والشخصيات التي تمتنع عن المشاركة في الحكومة وتفضل الاتجاه الى المعارضة والعمل داخل مجلس النواب. هذا النوع من المعارضة هو جوهر العمل الديموقراطي وضمانة بقاءه إذا تم تطويرها، لكنه يحتاج الى مساحة من الثقة بين القوى السياسية، ومرونة حكومية في احترام حق المعارضة ورؤيتها ووجودها وفاعليتها كجزء تكتمل به العملية الديموقراطية بعيدا عن المفهوم الشمولي للمعارضة الذي يعتبرها تمرد على السلطة.
حاولت بعض القوى السياسية اتخاذ هذا الجانب من المعارضة مثل انتفاض مجموعة من النواب أيام رئاسة سليم الجبوري للبرلمان، وموقفي كتلة الحكيم خلال حكومة عادل عبد المهدي، وكتلة دولة القانون خلال حقبة مصطفى الكاظمي، لكن لم يكتب لها النجاح كمعارضة مكتملة الملامح، فمازالت القواعد الجماهيرية العراقية أكثر انجذابا لصاحب السلطة في منح صوتها الانتخابي لكنها تنجذب للمعارضة في التعبير عن الراي.
وهذا النوع من المعارضة يتبنى خطاب الدولة ويحاول إنعاش ذاكرة قواعدها الشعبية ونقاط قوتها بالمقارنة مع سلبيات الوضع القائم، كما أنها معارضة صريحة وواضحة ومعلنة ومؤقتة، يقتصر وجود قياداتها ورموزها داخل البرلمان دون المشاركة في التشكيلة الوزارية. وتمتلك تلك المعارضة وسائل إعلام حزبية خاصة بها ولها مساحة حضور في مواقع التواصل الاجتماعي وتستفيد من المنصات الإعلامية للبرلمان وتعمل على توسيع قواعدها الشعبية استعدادا لمضاعفة مساحتها البرلمانية والعودة الى السلطة.
ويتضح مما تقدم انه لكي تكتمل شروط وجود معارضة عراقية تعمل ضمن نظام ديمقراطي يجب توفر بيئة مناسبة تنطلق من الثقافة السياسية ودعم الناخبين لفكرة المعارضة وتفهمهم لوجودها مرورا بالتقاليد السياسية التي يجب أن تتحول من مبدأ المحاصصة الى مبدا المواطنة حينها يمكننا الحديث عن معادلة متوازنة بين السلطة والمعارضة، وذلك عوضا عن وضع نموذج يهدف الى وضع نظام جديد للدولة. ويشمل ذلك أيضا وضع حدا للسلوك السياسي للقوى السياسية التي يجب أن تعمل على عدم تأجيج الراي العام والاستقواء به لتحقيق مكاسب شخصية، وعليها أن تدرك أن دور الجماهير مهم أن يتركز في يوم الانتخابات، وان تعمل على تشكيل أيديولوجياتهم لمواجهة التحديات التي يواجهها الجمهور العراقي. وبالمثل، يجب على جميع الأحزاب السياسة وضع برامج انتخابية مقنعة وان تعمل على الوفاء بوعودها الانتخابية. وفى حال فشل المعارضة العراقية في تطوير نموذجها الحالي ستكون مجرد حبر على ورق في عملية سياسية يتصارع الجميع فيها على الثروة والسلطة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك