العراق اليوم

ملحمة "سنوات الفرات" و"عروس الجمر"

مصدر الخبر / الاخبار

    الحديث عن نتاجات المفكر الإسلامي الدكتور علي المؤمن، في مجال إعادة كتابة تاريخ العراق السياسي المعاصر، هو تخليد لمنجز شعبي ونخبوي عراقي، أشعر أنني جزء صغير منه، بل أشعر أنه جزء من كياني ووجودي، ورؤاي الفكرية وخياراتي الثقافية، وإذ أكتب هنا، أشعر وكأن فرصة ذهبية أتيحت لي للمساهمة في هامش عمل كبير، انفرد به الكاتب الفذ، في توريخ حقبة مظلمة، قلّما مرّ بها شعب من الشعوب على طول التاريخ، آملاً أن تكون سطوري هذه، دعوة لكل عراقي، أو متعاطف مع شعب العراق، أن يساهم حسياً أو أدبياً أو ثقافياً، في تخليد سفري الدكتور المؤمن: “سنوات الجمر” و”عروس الفرات”.
    كما هي دعوة لكل الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، العراقية، وغير العراقية، للمساهمة في تخليد الأحداث التي حاول السيد المؤمن استقصاءها وتدوينها، أو إبرازها، فهي اليوم أضحت ركناً مهماً من أركان تاريخ الإنسانية العام، وشاهد ماثل، على صراع الخير والشر، والعلم والجهل، والحق والباطل .
    إنّ الرسالة التي يحملها الأخ السيد المؤمن في قلبه وروحه وعقله، هي رسالة المبادئ والقيم الإلهية، فكانت أعماله البديعة، هذه، مرآة تحكي صورة هذه القيم والمبادئ، في شريط الأحداث، عبر الشخوص الإنسانية، فالكاتب ينشد تشييد حضارة إلهية إنسانية، جعل مركزها، المنجز الإنساني نفسه. حيث أن الحضارة، هي ما يبنيه الإنسان على أرض الواقع، وما يصنعه من أحداث. وتتنوع الحضارات بتنوع القيم الراسخة في دواخل الإنسان، كمحرك لعقله وقلبه وجوارحه. ومن هنا كان اهتمام الكاتب علي المؤمن في التركيز على الإنسان، في مشاعره وأحاسيسه، ومنجزه الفكري والاجتماعي .
    وهنا؛ ينبغي، ولزاماً، على كل دارس لمؤلفات الدكتور علي المؤمن، أن يضع نفسه في موضع الباحث والمستكشف، في تفاصيل كل أعماله، وبين ثنايا سطوره التي خطها قلمه؛ ليكتشف العوالم التي ينطلق منها، والعوالم التي يصبو إليها، والأهم، العوالم التي رآها جديرةً بالتسجيل والتوثيق، والتكبير، والتركيز، فهذا ضروري لكي يضع الباحث المستكشف، يده، على الصورة التقريبية للغد الذي يطمح إليه الدكتور المؤمن، والأنموذج الذي يشيده .
    لقد اخترت، في معرض الحديث عن أعمال الدكتور المؤمن، عملين من أعماله، هما “سنوات الجمر” و”عروس الفرات”؛ لشعوري العميق بأنني أنتمي إليهما ولأجوائهما مباشرة، شأني في ذلك، شأن ملايين العراقيين، فهناك تلازم شديد، بين هذين الكتابين. فعندما كنت أجيل عيني بين سطور “سنوات الجمر”، وأتلمس الأحداث الدقيقة التي يوثقها، يخامرني شعور، بأن ثمة أنين دفين يكاد يند بينها، وعبرات وآهات تكاد تنسكب على صفحات الأوراق.. ثمة صرير سلاسل حديد، وعبرات ساخنة، ودم عبيط، يريد أن يظهر نفسه للقارئ، لكي يحس بما يقرأ .
    وعندما صدرت روايته “عروس الفرات”، كنت أسلب نفسي، أحياناً كثيرة، من السياق الأدبي للرواية، لأتمثل لوعتها في شريط أحداث “سنوات الجمر”!، حتى ليخامرني شعور آخر، بأن “عروس الفرات” لاتفهم، إلا في إطار نص توثيقي، أو تحليلي، لكي يتفهم  القارئ كل سطر وكل حوار وكل زمن وكل موقف دار فيها .
    وأزعم هنا، أنني أكتب للمستقبل، للأجيال التي تعيش الآن، والتي ستعيش غداً، ممن لم يعايش أحداث “سنوات الجمر” و”عروس الفرات”، ليكون هذان المنجزان، عبرة للمستقبل القريب!! كما هما للبعيد، فلا يمكن، لهذا الجيل، أن يقتنع، بأن قادة تنظيم (داعش)، الذين يبقرون بطون الحوامل، ويفجرون الجثث على المثكولين بها، وينسفون المساجد والكنائس ورياض الأطفال؛ هم أنفسهم ضباط التعذيب البعثيين الذين كانوا يغتصبون الفتيات البواكر أمام آبائهن وإخوانهن، ويذبحون صبياً في جادة تراثية وادعة، أمام أمه وجيرانه، ويرسلون عجائز هلكى، إلى طرق جبلية وعرة، بليل شتاء قارس، عشرات الكيلومترات، حفاة عراة، وسط حقول ألغام حربية، لمجرد اختلاف العرق والمذهب .إذن؛ الحاجة ماسة، لوجود شاخص أدبي حسي، يحكي للأجيال القادمة، والرأي العام العالمي، ما كان يجري في العراق منذ ١٩٢٠ إلى ٢٠٠٣ .
    وهنا تكمن القيمة الأدبية لـــ”عروس الفرات”، فهي بأسلوبها الأخاذ، تحفر، في المتلقّي، جرحاً غائراً، في الضمير الشعبي، يصبح، مع الزمن، جزءاً من المخيلة الشعبية، وهذا ذروة الانجاز الأدبي ـــ بحسب “نعوم تشومسكي”ـــ، لتستعاد مع كل حدث مستقبلي، وطني، ديني، طائفي، أو حتى مناطقي .
    وأيضا، هنا تكمن قيمة التسجيل التوثيقي لـــ”سنوات الجمر”، على أنها شاهد على العصر، ولاسبيل لتزويره أو تأويله، فقد قطع المؤلف الحصيف الطريق على التزوير والتأويل، الذي قد يطال أحداث هذه الحقبة، عبر (الأروقة السياسية) و(التشريعية والتنفيذية !)، أو الأروقة التاريخية والاجتماعية .
    الاستاذ علي المؤمن أرخ ووثّق، لفترة، عمل المجتمع الدولي والإقليمي،كثيراً لمحو أحداثها، والتعتيم عليها، وهنا تبرز قيمة الجهد المعرفي والنفسي والجسدي، الذي بذله المؤلف، في ترميم لوحة الأحداث الممزقة، ناهيك عن العامل الأمني والسرية الحزبية التي تكتنف الكثير، مما وثقه، مما يتطلب جهوداً شاقة وحسابات كثيرة، قبل تدوين أية واقعة، لاسيما وأن الكتاب ألّف في زمن بلغت سطوة النظام الصدامي المجرم، أوجها، والتأييد الدولي والإقليمي، مداه الأبعد .
    يحق لي هنا، أن أصف رواية “عروس الفرات”بأنها (جورنيكا الدعوة الإسلامية) أو (جورنيكا الشيعة) أو (جورنيكا العراق)، فالعالم قد خلّد واقعة قرية “الجورنيكا” الإسبانية، بلوحة رسمتها ريشة “بابلو بيكاسو” أشهر فنان عالمي، ويالكثرة أوجه الشبه بين مأساة العراق، ومأساة قرية “الجورنيكا”، فبيكاسو رسم لوحته الأشهر تخليداً لضحايا القصف النازي (قوة دولة)، أبان الحرب الأهلية الإسبانية، بعدما مالت موازين القوى لصالح فئة عدوة للنازي، لتهجم عليها طائراته بقسوة منقطعة النظير، لتترك المدينة حطاماً، من أشلاء النساء والأطفال والأبنية. والحالة في العراق أقسى بكثير من “الجورنيكا”، فالتمييز الطائفي والعرقي، كان يبتلع العراق من أقصاه إلى أقصاه، ولو أن الأمور سارت على وتيرة التغالب السياسي، أو التخندق الحزبي، تمهيداً لإعادة التوازن لقوى الدولة، سلمياً؛ لهان الأمر. ولكن قوى (الدولة) السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية، أفرغت كل مافيها من قهر وغلبة وبطش، وبقسوة بالغة، فوق رؤوس المغاير الطائفي والقومي، بغية إيقاف كل نشاط سياسي أو ثقافي، أو حتى اجتماعي، لكسر المعادلة الطائفية. 
    وفي تقديري المتواضع، إن ثنائية “سنوات الجمر” + “عروس الفرات”، هو أبرز عمل علمي وأدبي، أنتجه العراق، لفهم ما يجري في تلك الحقبة الطويلة، وهذا هو الذي حداني، لإقتراح أن تطبع رواية “عروس الفرات” على حواف “سنوات الجمر”، كما كان سارياً من قبل في طباعة كتابين أو ثلاثة، في متن واحد، يكون شرحاً، أو مشروحاً، أو نقضاً، أو إبراماً .
    ولو أردنا استعارة التعابير السينمائية، فإن “عروس الفرات” هي الموسيقى التصويرية للفلم التسجيلي “سنوات الجمر”، وإذا نظرنا إلى “سنوات الجمر” على أنه نص تاريخي بارد؛ فإن “عروس الفرات” تأويله، لابعد أغواره، بل هي روحه وعمقه، وهي لحمته وسداه، هي عصفه وبرقه ورعده .
    قد يكون كتاب “سنوات الجمر” أهراماً فنياً شاهقاً، يبهر السياح، لكن “عروس الفرات” هي حبّات عرق ودماء، تشخب على أكتاف المسخرين لبنائها. وبالتالي؛ فإن الواقع العراقي (المثالي) في الحقبة التي يؤرخها “سنوات الجمر”، تندمج فيه وقائع الكتابين، بل أن أحدهما يحرك الآخر، ويستولده .
    نعم؛ هناك آلاف القصص الطويلة والقصيرة، التي يرويها شخوصها أو شهودها، قد حدثت في أمكنة أحداث “عروس الفرات” نفسها، ولكن؛ أن يرويها مؤرخ متمرس، ومفكر اجتماعي، وناقد بصير؛ فإن ذلك يضفي عليها، مصداقية أكبر، وشمولاً أوسع، وفاعلية أقوى، ليحولها من تفصيل يومي مكرور، إلى فاعل اجتماعي ونفسي ثابت .
    وحسناً فعل الأُستاذ المؤمن، عندما أنتحى نحو (الأسطورة الملحمية ) كقالب أدبي يفرغ فيه حمولة ذاكرته وعذاباته وآلامه ومعاناته (والناس معه)، ليس لقلة الوقائع الفعلية، بل العكس، لكثرتها وتشابهها، حتى أصبحت لازماً حياتياً يومياً، فحوّلها، من مادة أولية وثائقية، تعني أفراداً معيّنين، إلى إطار رمزي يعبر عن كل القصص المتشابهة، فلك أن تقول أن شخوص “عروس الفرات”، رمزية، ولك أن تقول أنها واقعية، وما بين رمزيتها المفرطة في التعالي عن الواقع، وواقعيتها الشديدة التي تكاد تجاري دقات عقارب الساعة؛ يفتح الكاتب الأبواب أمامك مشرعة، بأقصى ما تنفتح، إلى كل ألوان التعبير الإنساني الفني، السينمائي والمسرحي والغنائي والأبي، فضلاً عن الرسم والتجريد والنحت والغرافيك، وليفتح أمام كل لون من ألوان التعبير هذه، العديد من الخيارات التقنية، المدمجة والمفككة .
    فعندما يقشعر بدنك للصمود الأسطوري للمرأة العراقية في محنتها؛ فذلك يحيلك إلى تأثير أدب (بنت الهدى) الذي خطف قلبها، وعندما يتملكك العجب من الشجاعة الفائقة التي إمتاز بها أبناء الحركة الإسلامية؛ فذلك يحيلك إلى أثر (الحرارة الدينية) التي سعّرها السيد الشهيد محمد باقر الصدر في مريديه، وفلسفها في كتبه، والتي سرت في مفاصل الأمة، من (غار حراء) إلى أقبية (الشعبة الخامسة)، ومن (معركة بدر)، إلى (خان النص)، حتى ليتراءى أمام مستكشف الوقائع التاريخية أن “عروس الفرات” مدمجة مع “سنوات الجمر”، وهو حال جميع آثار وأفكار الدكتور علي المؤمن؛ فأحدها يفسر الآخر ويشرحه ويعلله، لأنه ظل منذ أربعة عقود يشتغل على مساحة موضوعية واحدة، ويسير في مضمار فكري وبحثي واحد، يربط عبره الماضي بالحاضر بالمستقبل، ويستخدم أغلب فنون الكتابة ومناهج البحث والمداخل العلمية، لتحقيق هدف واحد.
    وللقاري الحق في أن يقرأ “عروس الفرات” كنص أدبي ملحمي، رمزي أو واقعي، لكن لي أيضاً أن أفترع حقاً جديداً، هو قراءتها بالتزامن مع “سنوات الجمر”، ولاغرابة في ذلك؛ فإن كثيرا من الوقائع التي تقرأها في “سنوات الجمر”، لن تفهم حقيقتها التاريخية، إلا وأنت تتصور شخوصها، أنهم الذين تجري عليهم أحداث “عروس الفرات”. ولن تعيش عوالم “عروس الفرات”، إلا وأنت مطل عليها من نافذة أبطال أحداث “سنوات الجمر”، بل لايمكنك أن تعيش (سنوات العروس) إلا وأنت تكتوي بلظى (جمر الفرات) .
    ولن تشم رائحة شواء لحوم المعتقلين بأعقاب سجائر السجانين، إلّا حين تُدخل نفسك في صندوق حياةٍ، إمتدت منذ إعدام الشهيد محمد باقر الصدر، إلى “مخيم جهرم” للمهجرين العراقيين، ولن تدرك سر الروح التي كانت تضغط على الزناد في “معسكر الشهيد الصدر” للمجاهدين العراقيين، إلّا حين تدخل في  تلافيف الحوار الداخلي لــ “السيد عبد الرزاق الموسوي” وهو يرى ابنته “شيماء” عارية تغتصب أمامه . 
    كنت أقول سابقاً، عندما نترادف مع بعضنا في معلومات ووثائق كتاب “سنوات الجمر”، حين صدوره، إننا نعيش حرباً أهلية مكتملة الأركان .فـــ”سنوات الجمر” لايؤرخ لحياة حزبية، ولا لعملية سياسية، بل يؤرخ لحرب أهلية، قاعدتها العريضة التمييز الطائفي، في ظل نظام علماني طائفي إقصائي، يقهر المكون الإنساني الأكبر والأعزل، بأدوات الدولة الطائفية، العسكرية والأمنية والاعلامية والثقافية .
    لاشك أن ما كتبه علي المؤمن في تاريخ الحركة الإسلامية والأدب الملحمي والدراسات الاجتماعية والأعمال الفكرية، هو مادة ثرة لكل سياسي، ففي ضوئها يستطيع فهم الواقع السياسي العراقي أو بنيته التحتية على الأقل، وفي ضوئها يستطيع استشراف المستقبل، ويستطيع في ضوئها ضبط فعله السياسي، فالأستاذ المؤمن كاتب متعدد المزايا، فهو لا يكتب، كمراقب تسجيلي، بل كتب، ويكتب، كفاعل سياسي واجتماعي وثقافي .
    وبالرغم من أن بعض المراقبين والمتخصصين يرى في (التحيز) الايديولوجي للدكتور المؤمن، مثلبة في المؤرخ والمفكر، إلا أن (التحيز) المزعوم عند السيد المؤمن، عنصر ثقة مراكم، يضيف مصداقية أكبر، للدقة في تحري المعلومة، والحرص على وثاقة مصدرها. بمعنى أن انتماءه الفكري وإيمانه بعدالة قضيته، يضفي، علمية أدق على مايدونه.
محمد الموسوي
(باحث عراقي)

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك