العراق اليوم

لماذا سيرتفع معدل النمو في العراق وما هي تداعياته؟

مصدر الخبر / الاخبار

صدر في الآونة الأخيرة عن صندوق النقد الدولي تقرير حول “النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي”. تطرق فيه إلى توقعاته للعام الجاري 2022 في جميع إنحاء العالم. سيكون معدل النمو 3.6% في الولايات المتحدة و3.7% في ألمانيا. في حين سيبلغ الانكماش 8.5% في روسيا و35.0% في أوكرانيا.
أما العراق فسوف يحقق نمواً قدره 9.5%. وهذا يعادل حوالي ثلاثة أضعاف المعدل العالمي. وهو أيضاً أعلى معدل في البلدان العربية بما فيها الخليجية.
وهنالك تقديرات أخرى للبنك العالمي تضع أيضاً العراق في المرتبة العربية الأولى من حيث النمو لعام 2022.
استغل المسؤولون العراقيون هذا التقرير وذاك للإشادة بسلامة سياساتهم الاقتصادية. بتقديرهم أن هذه النسبة من النمو دليل على صحة الإجراءات المتخذة على الصعيدين المالي والنقدي.
لمناقشة هذا الموضوع لابد من التعرف على كيفية حساب النمو. يتم الحساب عن طريق الناتج المحلي الإجمالي. وهذا هو أهم مؤشر اقتصادي في جميع البلدان. ويتكون من قيم السلع والخدمات التي يتم إنتاجها خلال سنة. فالنمو لعام 2022 هو ببساطة نسبة زيادة هذا الناتج مقارنة بالعام السابق. وضعنا المعادلة التالية لتبسيط الحساب: (قيم السلع والخدمات لعام 2022 – قيم السلع والخدمات لعام 2021) × (100 ÷ قيم السلع والخدمات لعام 2021) = معدل النمو لعام 2022.
وهكذا عندما تكون قيم السلع والخدمات منخفضة في عام 2021 تصبح نسبة النمو عالية في عام 2022. وهذا ما حدث في العراق الذي يعتمد اعتماداً أساسياً على النفط. فقد كانت أسعار الخام متدنية في عام 2021 مقارنة بعام 2022. كما كان الإنتاج النفطي العراقي منخفضاً أيضا. وبما أن الحرب الروسية على أوكرانيا ستستمر على الأقل لغاية نهاية العام الجاري لذلك لن تهبط أسعار النفط ولن يتراجع الإنتاج النفطي العراقي. بل بالعكس تماما. الأمر الذي يقود إلى ارتفاع النمو.
ولكن كيف نفسر ارتفاع النمو في العراق بنسبة (9.5%) أعلى من ارتفاع نسبة النمو في البلدان النفطية الأخرى كالسعودية (7.6%)؟
توجد في السعودية صناعات تحويلية مهمة في مختلف الميادين المدنية والعسكرية. وتعادل قيم هذه الصناعات 12% من الناتج المحلي الإجمالي (2019). في حين يفتقر العراق للصناعات التحويلية التي لا تمثل سوى 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبالمقابل ورغم المكانة النفطية العالمية للسعودية فأن موادها الاستخراجية بما فيها النفط لا تمثل سوى 28% من الناتج المحلي الإجمالي. في حين تصل هذه المواد في العراق إلى 45% من الناتج المحلي الإجمالي.
أي أن القيمة النسبية للنفط في العراق أكبر بكثير من القيمة النسبية للنفط في السعودية. وبالتالي فإذا تصاعدت أسعاره في السوق العالمية يرتفع الناتج المحلي الإجمالي في العراق بنسبة تفوق نسبة ارتفاعه في السعودية. لذلك يحقق العراق نمواً أعلى من السعودية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل النمو للإنتاج النفطي العراقي بمعدل (13.1%) يعادل تقريباً معدل النمو للإنتاج النفطي السعودي (12.8%) في عام 2022. ولكن كما ذكرنا لما كان النفط العراقي يسهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تعادل ضعف المساهمة المماثلة السعودية يصبح معدل النمو في العراق أعلى بمجرد تصاعد أسعار النفط.
 ومن زاوية أخرى يعاني العراق من أخطر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وهي تزايد عدد الفقراء: 12 مليون عراقي يعيشون تحت خط الفقر أي حوالي ثلث عدد السكان. ويتأتى هذا الوضع من تفشي البطالة وارتفاع أسعار استهلاك السلع والخدمات. ولا توجد مبادرة حكومية حقيقية للحد من هذه الآفة. وهذا دليل واضح على سوء إدارة الشأن الاقتصادي. فلو كانت الإدارة سليمة لتحسن تلقائياً مستوى معيشة المواطنين بفعل النمو.
عندما لا يقود النمو إلى زيادة فرص العمل وانخفاض الأسعار وتراجع الفقر وتحسن سعر صرف الدينار وتخفيف ثقل الديون العامة فإن ذلك يعني ببساطة وجود مشاكل أخرى تحول دون التوصل إلى هذه النتائج وفي مقدمتها الفساد المالي وغياب السياسات المالية والنقدية والاستثمارية الملائمة. أضف إلى ذلك المشاكل الأخرى المستعصية التي أصبحت من السمات الأساسية للوضع الاقتصادي والسياسي العراقي: الطائفية المقيتة والتبعية المتعددة الأبعاد لإيران والصراعات السياسية والحزبية المتواصلة والعنيفة.
سيحقق العراق معدلاً عالياً للنمو لاعتماده على النفط الذي يشهد حالياً سعره تصاعداً كبيرا. ولما كانت السياسات الاقتصادية والاجتماعية فاشلة فسوف لن يجد العراقي في هذا النمو فرصة لتحسين حالته. وفي العام القادم 2023 ستضيع الفرصة لأن أسعار الخام ستتجه نحو الهبوط.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك