العراق اليوم

بين التفكير الفلسفي والإلهام الفني ملحق "الصباح" الثقافي

مصدر الخبر / الصباح

د. نادية هناوي
الفلسفة ميدانٌ من الميادين الشديدة الصلة بالفكر البشري وفيها تتوضح فائقيَّة تميز الإنسان عن غيره من البشر مفكرًا يتأمل الوجود وناظرًا يتفكر في أدق مكونات هذا الوجود، مستيقظًا من سباتٍ يغشي غيره ومستنهضاً أحلامًا وخيالاتٍ لا يأبه بها سواه، يتنسم عبق الحقيقة التي كلما بحث عنها تيقن من وجودها، يزيل غشاوات النظر المألوف الى الواقع كي يراه في تجلياته جديدًا ويضيف الى هذا الجديد أمرًا يجعله مستعادًا في قادمه. وليس من طريقٍ للتطور والتحديث غير الفلسفة كسمة لا مناصَّ منها حين يكون الفكر هو الدليل على العقل وهو هادي الإنسان نحو الحقيقة. وأيًا كانت الفلسفة متجسدة في بحرٍ أو شجرٍ أو حجرٍ أو نهرٍ فإنَّها المطلب الذي به يعرف الإنسان أنَّه يحيا وأنَّه مختلفٌ وأنَّه متميز بأمرٍ تحتاجه الحياة كثوابت ومتغيرات وسواكن ومتحركات.
ولأنَّ الفلسفة أم العلوم كانت رأس الحكمة ثم تعادلت هي والحكمة، فكان واحدها صنو ثانيها وتوأمه ومعادله الموضوعي. وما من مشتغلٍ في علمٍ من العلوم إلا والفلسفة متجلية في عمله النظري ومرتهنة بفكره التجريدي تتدخل في معادلاته وتخترق إحصاءاته وتتوغل في لب افتراضاته وعز محصلاته.
الفلسفة ليست منطوقًا جامدًا وثابتًا لا حياة فيه، بل هي منطوقٌ مسموعٌ أكثر من السؤال وقولٌ مستفيضٌ أكثر من مجرد الجواب، إنها هي السؤال حين لا يكون له جواب، وهي الجواب الذي لا سؤال له. إنها التضاد والترادف وهي العلم والتعلم وهي السماع والاستنطاق وهي التحدي الذي لا سباق فيه والتسابق الذي لا مطلب من ورائه سوى الظفر بأي شيء أو اللاشيء. إنها الأمثولة التي إنْ مثلنا بها احتاجنا من يتمثلها وهي التفكير الذي في ثباته انعكاسه وفي تحليله تفكيكه وفي تشريحه وحدته. وهي التخييل الذي وراء إيهاميته تكمن واقعيته، وفي تكذيبه إخفاقٌ في تلقف ما يرمز إليه، وفي تصديقه إغفالٌ لما قد يقدمه تفنيده وفي اتباعه إبداعٌ جديدٌ يستكمل ما سيأتي ويسترجع ما سبق.
فالفلسفة علمٌ بذاتها وهي تغذ سيرها قدمًا إلى الأمام، ناهضة من غفوة الجميع على يد عالمٍ هو فيلسوفٌ يتفكر ولا يريد لفكره سوى أنْ يمتدَّ في طريق التأمل وعندها يكون مدى بصره عابرًا غير مقتصرٍ على قريبٍ ولا هو مستطلعٌ لما هو كائنٌ أو مكينٌ أو حتى لا مكين.
وأقصى ما يريد بلوغه أنْ يصل إلى ما هو منتهى، متفننًا في التحليل والتدقيق، محاولًا التعرف إلى ما هو بالفعل كائنٌ أو في الأقل إدراك أمر كينونته من دون أنْ ينسى ما يمكِّنه من أنْ يكشفَ أسرار ذاك الكائن كي يكون أمر تغييره ممكنًا بيديه أو بيد غيره. وقد يمضي في طريق تعرفه الى أبعد من ذلك، جانيًا شيئًا من وراء تقدمه قد يكون تجريديًا بحتًا وقد يكون تاريخيًا صرفًا. وما دامت الفلسفة هي التجريد فإنَّ التاريخ يؤثر في مجرى تجريدها أو أنَّ التجريد هو الذي يصنع التاريخ ويوجهه.
وبالطبع ليس للفلسفة أنْ تكون على جانبٍ واحدٍ يصب في صميم طبيعتها الجدليَّة ومساراتها الإشكاليَّة، فهي قد تفيد من الطبيعة التي إنْ صالحتها الفلسفة أغدقت عليها بما لا تعرفه فتتوثق الصلات بينهما أكثر وتتعمق أبعاد هذه الصلات في ما هو طبيعي وفلسفي معًا.
وهكذا كانت أولى الفلسفات وأقدم مجلدات الفلاسفة في التاريخ هي تلك التي تبحث في فلسفة الطبيعة وتدرس الطبيعي بوصفه واقعيًا والذهني بوصفه طبيعيًا والطبيعي بوصفه تطبعًا وطابعيَّة. 
ومثلما غيرت الفلسفة مجرى التاريخ كان التاريخ مسيّرًا الإنسانيَّة في حركيتها مهتديًا بالعقل إلى العلوم، ولا فرق بين العقل والعلم فهما وجهان لشيء واحد، يوجه أحدهما الآخر بشكلٍ خالصٍ وغير خالصٍ. فأما الخالص فهو الفن وأما غير الخالص فهو الواقع. والواقع هو ميدان الفن، والفن مجاله الواقع وقد لا يعترف العالم الواقعي بالتفكير الفلسفي لكنه يعترف حتمًا بالفلسفة بوصفها فنًا. وكثير من الفنانين هم في تفكيرهم فلاسفة أو هم في ممارستهم العملية مبدعون ألهم الإبداع عقولهم أنواعًا فريدة من الفنون، والفن إبداعٌ عقليٌّ محصلته الجمال ونتاجه العبقريَّة وقوامه التلقائيَّة التي لا تنفي قصديَّة اتباع القواعد والالتزام بالقيود.
وأكثر الفنانين تحررًا أكثرهم امتثالًا للنظام وأكثرهم احترامًا للقواعد ورفضًا للعشوائيَّة، ومهما كانت طاقات الفنان خلاقة، يظل للتفكير في أهمية ما هو تقليدي وقاعدي ممكنًا وقائمًا. وهذا هو بالضبط ما يسم أي عملية تفكير تنطوي على تجريدٍ واتباعٍ وقصديَّة بأنها تحصيلٌ يفترض بلوغ أمرٍ ما يتفكر فيه قبلًا وسبقًا.
وإذا كان الإلهام عفويًا بلا وعي أو تفكير، فإنَّ الفن قصدي بتفكيرٍ واعٍ وبهذا تتقارب الفلسفة مع الفن، فالفنان يتفلسف مفكرًا في الفن بصورة تلقائيَّة فتسري الأفكار سريان الأشكال منطوية على مجموعة من العمليات المتدارية بمجموعة من المبادئ العامَّة التي قد تتجسد فنيًا بشكلٍ جزئي أو كلي في هيئة عملٍ منظورٍ وملموسٍ أي واقعي. والفن نفسه هو فلسفة منطوية على بحثٍ واعٍ وتفكيرٍ متدارٍ في الشيء المتفكر فيه، فأما يكون الفنان متفكرًا يلهمه التفكير عبقريَّة وأما يكون عبقريًا يلهمه الفن فلسفة.
وأيًا كان الإلهام سفسطة وتذوقًا أو تجربة واندماجًا، فإنَّ التحليل الفلسفي للفن يظل مرتهنًا بالتفكير. ما دام لكل من الفن والفلسفة حيويته وتلقائيته، فلا خطر على الفن من الفلسفة ولا خطر على الفلسفة من الفن؛ إذ إنَّ منطلقهما ومنتهاهما منهما وإليهما.
وليس الحرص على انفصال الفن عن الفلسفة سوى الحرص نفسه على تلاقي الفن بالفلسفة، كما أنَّ الرغبة في ابتعاد الفنان عن الفيلسوف كي يكون حرًا سوى الرغبة في ابتعاد الفيلسوف عن الفنان كي يظل حرًا. ومن ثم يلتقي الفنان والفيلسوف في الحرية التي هي في أساسها تعني النية الطيبة والفطرة الخيرة والتفاهم القائم على ما هو ممكنٌ ومحالٌ معًا. ولا يبعد الاشتغال في حقلٍ من حقول الفن عن التمثيل على حقلٍ من حقول الفلسفة وبما يحقق التقارب والتواصل ما بين الفلسفة بوصفها فنًا والفن بوصفه تفلسفًا.
إنَّ التفكير الفلسفي هو صورة من صور التأمل العقلي، وأما الإلهام الفني فهو صورة من صور التجريد الواقعي. وليس الوقوف على جميع صور التفكير الفلسفي والإلهام الفني سوى الوقوع في إشكاليات العلم القائم بذاته والنابع من الفلسفة والمنتهي بالفن. وعلم الجمال هو الجامع بين الاثنين في بغيتهما وهي الاقتناع جدلًا والتحليل عملًا والتقنين وعيًا والنظر فكرًا والفهم منطقًا والتجلي نقدًا. أما المجال الذي فيه تتحصل وسائلهما فهو كل شيء له ماهية، أياً كان عينيًا أم غير عيني. وأفضل حالات التفكر الفلسفي هي تلك التي يركز فيها الإلهام الفني على جماليات ذاته ويستغل كل عناصره الخارجة عن التحديد والداخلة فيه من دون الاستغناء عن أي عنصرٍ مع التأمل الخالص والمستفيض في ما هو عملي وطبائعي من قريب أو بعيد مع الاستحواذ على كل العناصر فهمًا وإدراكًا، والمجال المتاح ممارسته في ذلك كله هو الحياة الواقعيَّة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك