العراق اليوم

غابرييلا غارسيا والتفاعل بين الأدب والوعي الطبقي ملحق "الصباح" الثقافي

مصدر الخبر / الصباح

جين سياباتاري 
ترجمة: أمينة ساهي
نشأت غابرييلا غارسيا في ميامي، أمّها كوبية أما والدها فمن مدينة إرابواتو الصغيرة في المكسيك تدور أحداث روايتها الأولى حول المرأة والملح، أجيال متعدّدة من الأمهات والبنات والحفيدات، نبدأ مع عاملة في مصنع سيجار كوبي من القرن التاسع عشر لنصل إلى حفيدتها الكبرى في ميامي المعاصرة، مع قصّة جانبية عن أمّ سلفادورية تخاطر بكلّ شيء من أجل ابنتها.
لا توجد كلمات ضائعة أو زائدة أو مترهلة في «النساء والملح». تحزم غارسيا مجموعة من القصص المقطّرة في 200 صفحة فقط، وتنزلق بخبرة من مكان إلى آخر، ومن منطقة زمنية سردية إلى أخرى، لغتها سلسة ومحدّدة بما يكفي لتحملنا معها بما توفره من ألفة وحميمية، مع الصورة المتلألئة للبؤس التي نجحت في عرضها وتقديمها بجوهر إبداعي خالص، صور تلوّح في وجوهنا من البداية إلى النهاية كانت محادثتنا الافتراضية تتمّ على الساحل الغربي — كانت هي في أوكلاند، موجودة خلال الوباء في مقاطعة سونوما.
 
جين: متى قرّرت أن تكوني كاتبًة خياليًة لأوّل مرة وتكتبين عن النساء والملح؟ 
 
غارسيا: اعتدت على إملاء القصص على والدتي قبل أن أعرف كيف أكتب لكنني لم أبدأ في أخذ نفسي على محمل الجد ككاتبة روائية حتى التحقت ببرنامج دراسة الكتابة والتدريس والنشر بعد نحو عقدٍ من العمل في وظائف مختلفة في الموسيقى والإعلام والتنظيم السياسي، واعتقدت أنَّ روايتي وأشعاري كانت شيئًا قمت به من أجل نفسي فقط ولن أنشره على الإطلاق كان هذا الإيمان المبكر بكتابتي يعني الكثير بالنسبة لي، إذ بدأت في كتابة مقتطفات ممّا سيصبح (النساء والملح) قبل التخرج في المدرسة، لكنني كتبت الجزء الأكبر منها خلال تلك السنوات الثلاث من الدراسة.
 
جين: كيف كانت تجربة الدراسة مع روكسان كي؟
 
غارسيا: لقد كانت رائعًة. شاهدت روايتي منذ بداياتها، وكانت في لجنة أطروحاتي، وكانت مصدرًا رائعًا للتشجيع والإرشاد والأمر هذا عنى لي الكثير في أنْ أعملَ مع كاتبة أميركيَّة من أصل كاريبي، إذ فهمت مشروعي على عدة مستويات مختلفة. ودفعتني ككاتبة وكإنسانة، وصمّمت فيّ نموذج المواطن الأدبي الذي أريد أنْ أكونه في العالم.
جيني: أنت تشيرين بوضوح إلى الملح في جميع أنحاء الرواية ملح البحر في ميامي وكوبا، الملح على جلد الجسد المحموم لامرأةٍ تحاول التخلص من السموم. ما معنى العنوان وكيف اخترته؟
غارسيا: أنا أكتب الشعر فضلًا عن الرواية، وأعتقد أنني تصورت العنوان بالطريقة نفسها التي ابتكرت بها عنوانات القصائد راجعت الرواية وحاولت أنْ ألاحظ بعض الصور والكلمات التي ظهرت أكثر من مرة. وعرفت أنني أريد النساء في العنوان لأنّ جميع الأصوات في الرواية تخصّ النساء ، وأردت التركيز على ذلك منذ البداية إنه ليس عنوانًا حرفيًا من حيث أنه لم يتم استخراجه مباشرة من عبارة في الكتاب، لكنني كنت آمل أنْ يثير شعورًا وصوتًا وصورة يمكن أنْ تضع بصمة في النص.
 
جين: عائلتك لها جذورٌ في كوبا كيف ألهمك ذلك وما تأثيره في (النساء والملح) وجذورك في المكسيك؟
 
غارسيا: منذ صغري وأنا أسافر إلى المكسيك وكوبا بشكل متكرّر وحتى يومنا هذا أتحدث إلى أسرتي وأصدقائي في كوبا بشكل يومي تقريبًا. لذا فإنَّ بعض أجزاء الرواية التي تدور أحداثها في كوبا والمكسيك تعتمد على بعض تلك التجارب الشخصيَّة على مرّ السنين ومن المحادثات مع الكوبيين والمكسيكيين. هناك أحداث أيضًا في الولايات المتحدة، وأودّ أن أقول إنني تأثرت بتصوراتي كابنة من الجيل الأول للمهاجرين وبالامتياز المتأصل في السفر بحرية ومعرفة ذلك بغض النظر عن مدى إعجابي بالأماكن تبدو لي كوبا وكأنها موطني الثاني في هذه المرحلة، ولن أحظى أبدًا بالتجربة نفسها التي عاشها شخص ولد ونشأ في كوبا. وكنت مهتمًة باستكشاف تلك التوترات غير المعترف بها والموجودة، على سبيل المثال، بين جانيت المولودة في الولايات المتحدة وابنة عمّها الكوبية أو جلوريا التي تعمل لدى «رفقة أميركية سابقة» في المكسيك.
 
جيني: كيف بحثت عن خيط الرواية الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، والذي بدأ في العام 1866 في مصنع سيجار في كاماغي، حيث ماريا إيزابيل هي المرأة الوحيدة في صناعة السيجار؟
 
غارسيا: بدأت الشرارة عندما زرت معرضًا في كوبا عرض رسائل من فيكتور هوغو لمقاتلي الاستقلال الكوبيين، وتعرفت على شعبية فيكتور هوغو بين بكرات السيجار ومقاتلي الاستقلال وقد دفعني ذلك إلى الحفر كأرنب للبحث عن أجهزة قياس السيجار والعلاقات بين الكتاب والعاملين في كوبا في القرن التاسع عشر. انتهى بي الأمر بإجراء الكثير من الأبحاث الأرشيفية، وتمشيط بعض تلك الصحف والرسائل والنصوص الأصلية، ومحاولة تطوير قصة حول هذا النص الموجود.
 
جين: معرفة القراءة والكتابة وقيمة الكلمة المكتوبة يتم تسليط الضوء عليها حيث يقرأ أنطونيو، المعلم في أرضية المصنع، جريدة (لأورورا) ثم من الروايات والمسرحيات: كونت مونتي كريستو والبؤساء والملك لير. كان أنطونيو يقرأ المجلد الثاني من كتاب البؤساء عندما تبدأ الرواية أنت ترسمين من التاريخ هنا، صحيح؟
غارسيا: نعم، كنت أشير مباشرة إلى الكتب الفعلية التي كانت شائعة في مصانع السيجار في ذلك الوقت ومن مقالات الصحف الحقيقية. كبرت بين أسرتي التي كانت تحب السيجار حقًا، وغالبًا ما كنت أجلب لوالدي السيجار من كوبا لقد نشأت حول مونتي كرستوس وروميو وجوليت، لكنني لم أعرف التاريخ أبدًا لم أدرك أبدًا أنَّ هذه الأسماء مأخوذة مباشرة من الكتب التي قرأها المحاضرون لعمال السيجار. وبمجرد أنْ اكتشفت الصحف التي تقرأ على عمال السيجار، فتنت حقًا بهذا التفاعل بين الأدب والوعي الطبقي وحركات الاستقلال.
 
جين: لقد كنت قادرًة على إعطاء مثل هذا النسيج لتصورات ماريا إيزابيل. على سبيل المثال، عندما كانت تستمع إلى المعلم الذي قرأ لها البؤساء، «لقد فكرت في الهروب، فكرت في نفسها. لما سيكون عليه الحال إذا كتب شخص ما كتابًا عنها. او كتب شخص مثلها كتابًا» يبدو أنك، كمؤلفة، في حوار مع ماريا إيزابيل في هذه المرحلة غير أنَّ ما كان في الحسبان؟
غارسيا: كنت أفكّر في الغالب حول ما سيكون عليه الأمر عندما تسمع الكثير من القصص التي ربما تتصل بك على مستوى ما أو أحيانًا تكون عنك، لكنك لست مؤلفًا أبدًا وربم، بطرق مختلفة، هذا ينطبق أيضًا علي كمؤلفة.
أردت استكشاف الطرق التي يمكنك من خلالها إعادة تشكيل قصة أجعلها قصتك والطرق التي لا يمكنك بها ذلك.
كثيرًا ما أفكر في جملة توني موريسون الشهيرة التي تقول «إذا كان هناك كتاب تريد قراءته، ولكن لم تتم كتابته بعد، فعليك كتابته»، ولم أقرأ أبدًا كتابًا يتحدث عن هذا النوع من الكتب من الصدى التاريخي والتوترات والامتيازات التي كانت واضحة لي كابنة لمهاجرين مكسيكيين وكوبيين، مع مسارات هجرة مختلفة جدًا إلى الولايات المتحدة ومعاملة بشكل مختلف حقًا من قبل الولايات المتحدة، بسبب العرق والطبقة والتاريخ لا أعرف أنني كنت أشير إلى ذلك عن قصد بهذا السطر، لكنني كنت أفكر بالتأكيد في الاحتكاك بين القصص والأساطير والتأليف.
 
جين: متى واجهت سيسيليا فالديس لأول مرة، رواية لسيريلو فيلافيردي، التي قرأها أنطونيو على بكرات السيجار كتعامل خاص لماريا إيزابيل، ومقارنتها بشكل خاص بالبطلة؟
غارسيا: لقد عرفت سيسيليا فالديز من خلال تمثال لأنه كان هناك تمثال يصور شخصيتها في فيجا هابانا، في منطقة يشار إليها أحيانًا باسم «لا لوما ديل آنجيل»، وهذا يعدُّ العنوان الفرعي للكتاب، وليس بعيدًا عن تمثال لإحياء ذكرى سيريلو فيلافيردي. ذكر لي الكثير من الأصدقاء والأسر الكوبية عن هذا الكتاب أنَّه نصٌ أساسيٌّ تعلموه في جميع مراحل تعليمهم. وكان كتابًا مثيرًا للجدل في ذلك الوقت، لأنه تحدث عن الانقسامات الطبقيَّة والعبوديَّة والعلاقات بين الكوبيين من أعراق وطبقات مختلفة، وقد تمّت قراءته في بعض مصانع السيجار وأيده الكوبيون المؤيدون للاستقلال وإلغاء العبوديَّة. لقد كان ممتعًا بالنسبة لي لأنه كان واحدًا من الصور الأدبيَّة القليلة للكوبيين السود والكوبيين من أعراقٍ مختلطة في ذلك الوقت ولكن كتبها مؤلف أبيض كريولو، وقد جعلني أفكر كثيرًا في النظرة الأبويَّة البيضاء وكيف يمكن لبعض القصص أنْ تكون ثوريَّة وتقليديَّة تمامًا أو متوقعة. تدور علاقة ماريا إيزابيل بأنطونيو حول البقاء والقبول وما بدا عليه ذلك في ذلك الوقت، بينما تسعى أيضًا إلى نوعٍ من الإصلاح والتخريب بدا الكتاب وكأنه مدخلٌ إلى تلك المحادثة.
 
جين: من اللافت للنظر كيف نسجتِ حكايات من كتاب ثمين، كالبؤساء، وأخذت اقتباسات منه، في بقيّة قصتك هل كان هذا في الاعتبار طوال الوقت؟
 
غارسيا: كنت أعلم أنني مهتمة بالقصص كيف يتمّ تناقلها، وما الذي يتمّ استبعاده، ومن سيخبرها، ولمن تُنسب قيمتها، وهل يمكن استعادتها أم لا وأصبح الكتاب، والاقتباس، والهامش وسيلة لاستكشاف هذه الفكرة أردت اكتشاف الطرق التي يمكن من خلالها إعادة تشكيل قصة – وجعلها قصتك – والطرق التي لا يمكنني بها ذلك.
 
جين: القفز إلى ميامي المعاصرة، أنت تقدمين جانيت التي تكافح مع سقوطها في الإدمان كيف حدّدت بحثها عن جذورها في كوبا؟ هل سافرت إلى هافانا ثمّ إلى كاماغوي كما فعلت جانيت؟
 
غارسيا: لقد سافرت كثيرًا إلى كوبا منذ أنْ كنت صغيرًة، على عكس جانيت، وكنت أسافر كثيرًا ذهابًا وإيابًا أثناء كتابة الرواية ولم يكن لدي هذا الشعور في التوتر الذي تشعر به جانيت مع والدتها بشأن السفر وقد أمضيت وقتًا طويلاً في كوبا، على الرغم من أنني أعلم أنَّ هذا الخوف والتوتر موجودٌ بالنسبة لكثيرٍ من الجيل الأول من الأميركيين الكوبيين في ميامي، وأردت تصوير ذلك – ما أتخيله هو الحال بالنسبة لأميركي كوبي من ميامي يزور كوبا للمرّة الأولى والذي لم يسبق له مثيل من قبل ولأجله كانت كوبا موجودة دائمًا في الخيال.
 
جين: جلوريا، جارة جانيت، هي الأم السلفادورية التي أخذتها شركة أي سي أي في وقت مبكر من الرواية. اعتقالها يعطل استقرار ابنتها آنا البالغة من العمر سبعاً أو ثماني سنوات فقط. لمّ شملهم في مركز اعتقال في تكساس، ترحيلهم ومغادرة الولايات المتحدة قسريًا إلى المكسيك، تحديات البقاء على قيد الحياة بعد ذلك – أصبحت شائعة جدًا اليوم كيف بحثت في هذا الجانب من الرواية؟ 
غارسيا: إنه بالتأكيد شائع جدًا اليوم، ولكنه كان شائعًا جدًا أيضًا في 2012 إلى 2014 عندما بدأت في كتابة هذا الفصل، ففي ذلك الوقت كنت أعمل في منظمة تركز على الدفاع عمن يشملهم الترحيل والاحتجاز، وأعمل في الغالب مع نساء أميركا الوسطى اللائي كن يهربن أحيانًا من العنف الجنسي فقط ليواجهن النوع نفسه من العنف الجنسي في الاحتجاز الأسري والذي ظهر في ذلك الوقت تقريبًا. كان الحصول على أي نوعٍ من الاهتمام الإعلامي الواسع لهذه القصص أمرًا صعبًا للغاية، في ذلك الوقت كنت أسجل في الغالب من خلال زياراتي لمراكز الاحتجاز الأسري هذه المعلومات ومن محادثاتي مع النساء اللواتي كنت أعمل معهنَّ عندما كتبت تلك الفصول.
 
جين: تقوم روايتك بتغيير وجهات النظر والمواقع والأطر الزمنيَّة بطريقة بارعة. ما هي تحديات إنشاء هذه الصورة المجمعة؟ 
غارسيا: لم أكن أرغب في اتباع بنية القصة الخطيَّة التقليديَّة وأردت أنْ يعكس الكتاب نوع القصص والتاريخ متعدّد الأصوات والعرضي والمتنوع أسلوبًا الذي يتمّ نقله، حتى داخل الراوي نفسه. ولقد كنت دائمًا متحمّسة حقًا للكتّاب الذين يمكنهم اتخاذ الكثير من أنماط الكتابة المختلفة في عملٍ واحد – أردت استكشاف الكتابة في هذا الوضع. كان التحدي يتمثل في جعل العمل متماسكًا ضمن هذا الهيكل – أدرك أنه إذا دخل القارئ فيه متوقعًا قصة تاريخيَّة تقليديَّة أو شيئًا من هذا القبيل، فقد لا يكون هذا هو الشيء الذي يريده. لذلك حاولت الإشارة إلى هذه التحولات في وقتٍ مبكر.
جين سياباتاري، مؤلفة مجموعة القصص القصيرة، وهي المساهم الرسمي في ثقافة بي بي سي. وهي رئيسة سابقة لدائرة نقّاد الكتاب الوطنية (ونائب رئيس ان بي سي سي الحالي/ الجوائز والأحداث) وعضو في مغارة الكتاب.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك