العراق اليوم

الشعائر الحسينية.. دلالات وأهداف ونتائج – الجزء الثالث

مصدر الخبر / وكالة نون

بقلم: الشيخ محمود الحلي الخفاجي

هناك عوامل توثر في سلوك الإنسان وعلى ضوئها يحدد مواقفه وسلوكياته وعلاقاته وممارساته الحياتية المتعددة، ومن هذه العوامل هو عامل الدفع الإنفعالي مع الأشياء والتي تشكلها عواطف الإنسان ورغباته ومشاعره وميوله وأحاسيسه, حيث لا تكفي المعرفة النظرية والنظر العقلي والفكري للأشياء والحوادث.

نعم.. المعرفة لها الدور الكبير وهي الأساس في سلوك الإنسان, ولكنها غير كافية لوحدها في إيجاد سلوك متوازن ووفق معايير صحيحة. بل يوجد جناح آخر وعامل يعضد الجانب المعرفي ويقويه وهو أحاسيس الإنسان ومشاعره وميوله، فهذه الأحاسيس والمشاعر تقف مع الجانب المعرفي والعقلي اتجاه موقف معين أو قضية معينة أو حادثة معينة فيتفاعل معها حسيا.
اذن.. وفق هذه العوامل تتحدد مواقف الإنسان، فمواقف الإنسان تبع لعاملين أساسين هما:

ـ الأول: العامل المعرفي
ـ الثاني: العامل الحسي

وكلا العاملين أحدهما يكمل الآخر، فاذا تخلف أحدهما كانت النتيجة غير تامة ويعتريها الخلل.

لذا نرى عند استقراء تاريخ الديانات الإلهية من خلال استقراء القران الكربم لها ولو إجمالا, لوجدناها مقترنة ومحفوفة في ظواهر حسية كثيرة، لأن الممارسة الحسية لظاهرية معينة تحاكي طبيعة الإنسان التي جبل عليها والتي من خلالها يهتم بالطقوس والرمزية, حيث من خلالها يتم تحريك الإنسان ودفعه نحو معاني تضمنتها تلك الظواهر وتعبئة الانسان بطاقة كبيرة من الوعي.
وقد تعددت وتنوعت الشعائر الدينية في الإسلام باعتبارها أحد مصادر المعرفة والتي يستفيد منها الإنسان في معرفة الكون والحياة والعقيدة بل إنها تشكل أرضية ممهدة لفكر الإنسان حول هذه الثلاثية المذكورة (الكون والحياة والعقيدة).

وان القرآن الكريم أمر بتعظيم هذه الشعائر باعتبارها أنها طرق موصلة الى الله عزوجل (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب). من هنا جاءت فلسفة التعظيم لأنها تشكل جسراً للعبور لمعان قد تجسدت في مظاهر معينة.
إن الأفكار والآراء ذات الطابع الديني إذا لم تكن محفوفة ومقترنة بممارسات وسلوكيات رمزية معبرة عن معان مختزنة فيها, فأن هذه الأفكار والرؤى لا تترسخ وتتعمق في أذهان التابعين لها وأن درجة احتمال بقاء ذلك الدين تكون ضئيلة.
واننا نعتقد وبضرس قاطع ويقين تام ان التشيع هو الصورة الحقيقية للإسلام, وإنّ هذا الدين قد تكفلت السماء بحفظه. قال تعالى:
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
وهذا الحفظ لابد أنّ يجري وفق السنن الإجتماعية والأسباب الطبيعية. بعبارة أخرى لابد من وجود موجبات الحفظ والبقاء رغم تقادم الزمن. وهذه موجبات الحفظ هي مجموعة من الشعائر والممارسات التي من شأنها حفظ الكيان الشيعي من الإندراس, وهي أسباب طبيعية غرضها حفظ وابقاء (موضوعات الكيان الشيعي وقيمه ومنهجه وروحه).

وهذه غاية سامية ونبيلة (غاية الابقاء). فلا ضيرَ أن تقدم من أجلها الدماء المقدسة وكان دم الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه وأهل بيته وأصحابه مُنتج التضحية والفداء من أجل تلك الغاية النبيلة وقد أشار الائمة عليهم السلام بمناسبات كثيرة الى هذا المعنى وبعبارات مختلفه تارة تصريحاً واخرى تضميناً لها.

لذا نرى ان أعداء اهل البيت عليهم السلام من الأمويين والعباسيين قد أدركوا وجود ملازمة واضحة بين الشعائر وبين وجود الكيان الشيعي. فأنهم أدركوا ان وسائل الأحياء لفاجعة الطف التي كانت موجودة آنذاك, كالبكاء والرثاء والزيارة والشعر ما هي إلا وسائل مُبقية للكيان الشيعي, بل وتزيده قوة وعمقاً في نفوس أبنائه. لذا فأنهم سعوا بمختلف الطرق للقضاء على هذه الوسائل.

وعليه نستكشف أهمية هذه الشعائر من خلال حرص الائمة عليهم السلام باستعدادهم من خلال تعبئة الناس وشدهم اليها فكانوا يحثون شيعتهم على الرثاء والقاء الشعر والزيارة لسيد الشهداء عليه السلام وبيان الثواب الكبير لها, وأن كانت على خوف وأنه لا تقية في زيارة الحسين (ع) ولابد من زيارته وتعاهد قبره (ع)، وأن اتصف ذلك بالقتل والسجن والمطاردة وفرض الضرائب المالية، لكن هذه مسألة ترتبط بما هو أهم ملاكاً أي أنها أهم من حفظ النفوس والعرض والمال, اذ انها ترتبط بالحفاظ على الكيان الشيعي ومن خلال هذه الشعائر تثبت هوية التشيع ويتم ترسيخها بضمير الإنسان الشيعي.

 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك