العراق اليوم

كيف تطهر النجاسة الطهارة ولا تطهر النجاسة الطهارة‎‎

مصدر الخبر / الاخبار

ما حصل يوم 14/2/2011 وما بعده في بغداد ومدن عراقية احداث لها دلالات عميقة ومهمة جدا، فقد هاجمت القوات الحكومية العميلة المتظاهرين في ساحتي الفردوس والتحرير المطالبين بوضع حد للفساد والاضطهاد والديكتاتورية وللاحتلال وفرقتهم بالقوة مستخدمة الهروات وغيرها، وفي (المنطقية الخضراء) حيث تجمع الاف العراقيين مطالبين برحيل الاحتلال هاجمت القوات الامريكية المتظاهرين وضربتهم وفرقتهم بالقوة! كيف نفسر هذا التناقض الصارخ بين موقف امريكا الرافض للسماح بقيام مظاهرات في العراق والقامع لها بالقوة وبين دعم امريكا للانتفاضتين المباركتين في تونس ومصر؟ ولم تريد امريكا ان تبدو، في مصر وتونس والجزائر وغيرها، (طاهرة) تدافع عن (الديمقراطية وحقوق الانسان) وفي مقدمتها حق التظاهر وعدم قمع المتظاهرين، في حين انها عاهرة قولا وفعلا في العراق بارتكابها كافة انواع عهر الضمير وفي مقدمتها احتلال العراق وتدميره وابادة اكثر من مليوني عراقي وتشريد سبعة ملايين عراقي وتحريم التظاهر والاحتجاج ضد الاحتلال وتعذيب 30 مليون عراقي يوميا وكل ساعة ولمدة اكثر من سبعة اعوام نتيجة حرمانهم من الخدمات والحق في الحياة والامن وسلبهم كافة حقوق الانسان الاساسية والثانوية؟
هنا لابد من التذكير بالملاحظات التالية :
1- ان موقف امريكا الداعم لانتفاضتي الشعب العربي في تونس ومصر كان محض تكتيك لاحتواء الانتفاضتين عبر دعمهما اعلاميا وسياسيا وزرع انصارها في صفوف المنتفضين الوطنيين وابرازهم اعلاميا وسياسيا لاجل ان يتولوا قيادتها ويزيحوا من فجر الانتفاضتين اصلا وتسهيل مهمة رجالات امريكا في القوات المسلحة لترتيب الوضع السياسي، وصولا لتسخير الانتفاضة للتسريع باقامة نظام بديل في تونس ومصر لكنه لا يختلف من حيث الجوهر عن نظامي بن علي ومبارك، وهكذا تتخلص امريكا من انظمة فاسدة ومستبدة وقامت بدورها القذر في خدمة امريكا والكيان الصهيوني، فسخم الله وجوه زعمائها واصبحوا معزولين ومكروهين ولابد من التخلص منهم للمحافظة على الوجود الامريكي ومواصلة خدمة السياسة الامريكية.
2- ان ما يتحكم بموقف امريكا الان تجاه الوطن العربي والعالم كله هو ضرورات الستراتيجية الكونية الامريكية والواقع الستراتيجي اللذان يثبتان بان معركة امريكا الاساسية في العالم كله تدور في العراق منذ عام 1991 وحتى الان وليس في اي مكان اخر بما في ذلك افغانستان. واكبر دليل على صحة ذلك هو ان حوالي 85 % من قوات امريكا ومخصصات الحرب المالية ذهبت الى العراق وليس افغانستان، فمثلا ارسلت امريكا 15 الف جندي الى افغانستان في البداية ثم رفعته الى 30 الف في حين انها ارسلت للعراق افضل قواتها المؤلفة من 160الف جندي نظامي واكثر من 170 الف من المرتزقة من الشركات الخاصة الذين يعملون مباشرة في خدمة القوات المسلحة الامريكية كجنود وقوى امن. فهل من معنى لهذه الحقيقة غير ان هدف غزو العراق وافغانستان هو العراق بالدرجة الاساس وان افغانستان هدف ثانوي تمويهي لتحقيق خداع ستراتيجي؟
ان اصرار امريكا على غزو العراق منذ شنت العدوان الثلاثيني في عام 1991 واعقبته بفرض حصار مدمر استمر 13 عاما كانت سنوات عذاب مرير للشعب العراقي ومات بل الغزو بسببه اكثر من مليوني عراقي اكثرهم اطفال، وتحملت امريكا انتقادات العالم وشعبها وشيطنت صورتها العالمية بسبب سياستها في العراق من خلال المظاهرات المليونية التي خرجت في اوربا وامريكا وبقية العالم تندد بالحصار والحرب الامريكية على العراق، ومع ذلك لم تتراجع حتى غزته في تأكيد ستراتيجي لا يقبل الخطأ على ان العراق هو ساحة الصراع الاساسية في عالم ما بعد الحرب الباردة وهو ما اثبتته كل تطورات غزو العراق. والسبب هو ان امريكا، وكما كررنا في السنوات السابقة، تبنت ستراتيجية جديدة بعد انتهاء الحرب الباردة تقول (ان النفط في العصر الحالي هو دم الحياة العصرية واصبح (قلب العالم) الجيوبولتيكي الجديد لانه بدونه تتوقف الحياة، ووفقا لذلك فان من يسيطر عليه يسيطر على العالم، وبما ان العراق فيه اكبر وافضل احتياطي نفطي في العالم، ويقدر باكثر من 350 مليار برميل – وليس 120 مليار برميل – والرقم قابل للزيادة لان الاكتشافات مستمرة كما اثبتت المسوحات في العراق، فان من يسيطر على العراق يكمل سيطرته على اهم اسلحة العصر وهو النفط صاحب اكبر قدرة ابتزازية حاليا ومستقبلا وهي قدرة لاترد ولا تقاوم، كما اثبتت تجربة المقاطعة النفطية العربية اثناء وبعد حرب اكتوبر عام 1973، ومن خلال السيطرة على العراق تستطيع امريكا اقامة نظام عالمي تحت قيادتها المنفردة، محققة حلمها الاقدم والاول : استعمار العالم كله.
وبموجب تلك النظرية الجيوبولوتيكية فان العراق كما خططت امريكا كان يجب ان يكون منطلقا لاعادة ترتيب كل اوضاع المنطقة واستخدامها بعد تأهيلها كقاعدة ومنطلق للسيطرة الامريكية على العالم من خلال استخدام النفط كسلاح ستراتيجي ضد من يرفض الهيمنة الامريكية من الدول فيتحطم اقتصاده وخدماته وتشل قواته المسلحة…الخ فقط تخيلوا انقطاع النفط كليا فجاة وماذا سينتج عنه لتعرفوا خطورة هذه النظرية.
وفي ضوء ذلك فان الهدف الستراتيجي الاساس والاول لامريكا والكيان الصهيوني هو غزو العراق وتدميره بعد غزوه، وهكذا فان وضع جدول الاولويات الستراتيجية والزمنية للغزوات ولتحقيق الاهداف يضع العراق اولا، ومن ثم لابد من تسخير الانظمة العربية ودول الجوار العراقي كايران لتحقيق هدف انهاء العراق كقوة تحررية كبرى وفعالة واستعماره.
واذا اخذنا بنظر الاعتبار حقيقة ان الامبريالية التي تمثل الرأسمالية في اعلى مراحل تطورها هي نظام استغلالي يقوم على النهب فان العنصر الاخلاقي والقانوني معدوم فيه، وطبقا لذلك فغزو العراق كان سببه الرئيس والاول ومازال هو تلك النظرية ولذلك لابد من فهم اهمية ادوار انظمة المنطقة في ضوءها وما حصل او ما صرح به قادة الانظمة خطير، فايران التي لعبت الدور الاكثر حسما في انجاح الغزو الامريكي وليس بريطانيا وهو ما جسده قول (ان غزو العراق ما كان سينجح لولا الدعم الايراني المباشر والاساسي) والذي ردده اكثر من مسئول ايراني وفي مقدمتهم محمد علي ابطحي نائب الرئيس الايراني، كذلك فانه لولا الدعم الذي قدمته انظمة عربية من خلال السماح للقواعد الامريكية خصوصا في قطر والكويت بالبدء بغزو العراق منها لما وجدت امريكا قواعد تنطلق منها لتحقيق هدف الغزو، بالاضافة للتواطؤ الذي وفرته انظمة عربية مع الغزاة وفي مقدمتها نظام حسني مبارك الذي سمح باستخدام قناة السويس لمرور قوات الغزو.
اذن غزو العراق وبقاء ونجاح الغزو مشروط بدعم عربي واقليمي له وهنا برزت ايران بصفتها القوة الاساسية الى جانب امريكا في الغزو، وتحدد دور الانظمة العربية في كونه تابعا ومنفذا وليس مقررا، بدليل ان الحكومات التي شكلها الاحتلال منذ حكومة اياد علاوي حتى الان تشكلت من تيارات تابعة لايران مثل حكومة ابراهيم الجعفري، وهو باكستاني الاصل فارسي الولاء، ونوري المالكي العراقي التابع لايران، كما ان قوى الجيش الجديد والشرطة وغيرها تشكلت من المليشيات التابعة لايران وهي تشكل كلاب الحراسة الاساسية للاحتلال وادامته والتي تعمل على الحاق اكبر اذى بالمقاومة العراقية المسلحة وبالقوى الوطنية الرافضة للاحتلال، ناهيك عن مجلس الحكم الذي شكله الحاكم الامريكي بول بريمير كان لايران حصة الاسد فيه.
وهذه الحقيقة المعروفة تقدم لنا فكرة جوهرية يجب عدم نسيانها عند محاولة معرفة ما يجري الان في مصر وتونس والعراق والجزائر وقطر وغيرها وهي ان غزو العراق وادامته وانجاحه يتطلب وجود انظمة عربية مساندة لامريكا في كل شيء خصوصا في موضوع اخراج العراق من ساحة الصراع الاقليمي وتحييده ان لم يكن تقسيمه. وزادت هذه الاهمية للدورين العربي والاقليمي، خصوصا الايراني، حينما نجحت المقاومة العراقية ليس فقط في احباط محاولات ابقاء الاحتلال والقضاء عليها بل الاهم ان المقاومة العراقية قد تعزز دورها العسكري وتعمقت خبرات الثوار العراقيين في كافة فصائل المقاومة واصبحت هي والقوات الامريكية المقرر الاساسي لمسار احداث العراق.
ولذلك فان وجود انظمة عربية موالية لامريكا، مباشرة او بصورة غير مباشرة، ووجود انظمة غير عربية قوية كايران تدعم هدف الغزو وتتبنى خطة تدمير العراق او تهميشه تعد احد اهم شروط نجاح امريكا في احكام قبضتها على العراق وانجاح غزوها له وتدمير مقاومته الباسلة. وبما ان الانظمة خصوصا في مصر قد كشفت وجهها القبيح وتسخمت بجرائم كامب ديفيد وغزو العراق بالاضافة لغرقها في فساد لم يسبق له مثيل واستبداد متعمد شجعت عليه امريكا بقوة فان تغيير الوجوه من بين اهم شروط ابقاء امريكا متمتعة بوجود انظمة غير معزولة تسهل امرار وتنفيذ اهدافها الستراتيجية.
ان بقاء حسني مبارك واضرابه اصبح مضرا بالمصالح الستراتيجية الامريكية ولذلك كان موقف امريكا هو تحولها في موضوعي تونس ومصر الى (نصير الحرية والداعي لضرب الفساد والاستبداد ودعم التظاهرات والرافض بقوة وبالتهديد الرسمي الامريكي لاي محاولة لقمعها واستخدام القوة لتفريقها)، لكننا بنفس الوقت رأينا امريكا (الطاهرة) في تونس ومصر تمارس البغاء والعهر في العراق نتيجة احتلاله وحربها على مقاومته ورفضها اي مظاهرة ضد الاحتلال وقمعها للتظاهرات التي وقعت في العراق بعد نجاح انتفاضتي تونس ومصر، وهنا تظهر المفارقة الكبيرة التي تسلط الضوء على الطبيعة المخادعة للسياسة الامريكية.
3- كان التخطيط الامريكي في مصر وتونس يقوم على معرفة دقيقة بالوضع السياسي في القطرين فكلاهما بلا مقاومة مسلحة ضدها، وكلاهما يفتقر لوجود احزاب وطنية جماهيرية قوية وكبيرة ومؤثرة بدرجة تستطيع معها تقرير مسار الاحداث المتفجرة وتستثمر بروز حالة ثورية لاسقاط النظام كله بنهجه ورموزه والتزاماته الخارجية، مثل التطبيع مع الكيان الصهيوني، واقامة نظام بديل يجسد الانتماء الوطني عمليا بتبني سياسات تحررية بالكامل تجاه امريكا كدولة استعمارية معادية للامة العربية وتجاه الكيان الصهيوني بصفته قاعدة استعمارية متقدمة لامريكا والصهيونية العالمية، ومع هذا وذاك حتمية اقامة نظام وطني خال من الفساد والديكتاتورية ويضمن العدالة الاجتماعية وانهاء الفقر ويجعل التعليم والطب مجانيين والخدمات رخيصة الاجور.
ان الافتقار الى وجود مقاومة مسلحة او الى حزب جماهيري كبير ولديه خبرات نضالية متجذرة ووجود كتل نخبوية وطنية تحتج وتنتفض لكنها عاجزة عن السيطرة على الوضع وفرض بديل وطني حقيقي كل ذلك يسهل على امريكا احتواء الانتفاضة، لذلك اذا لم يتوفر هذين الشرطين او احدهما وهما وجود مقاومة مسلحة وثانيهما وجود حركة شعبية منظمة وقوية ومجربة، فما معنى وطنية الانتفاضة؟ وكيف نمنحها صفة الوطنية اذا لم تحرر المواطنين من الفقر والعوز والاضطهاد؟ وكيف تكون وطنية اذا كانت نتيجتها بقاء البديل اسير معاهدات واتفاقيات خيانية تفرط بالارض والوطن والسيادة كاتفاقيتي كامب ديفيد؟ وكيف تكون وطنية اذا بقيت الدولة رهينة امريكا واملاءاتها ومساعداتها المشروطة؟ ان الشرط المسبق لاي انتفاضة وطنية او ثورة وطنية هو النجاح في تحرير الانسان داخليا من الفقر والديكتاتورية وتحرير الوطن من السياسات القائمة على خدمة دول اجنبية، وما عدا ذلك فهو مشاعر وطنية طيبة ونقية لكنها تتكسر على صخرة الفشل في تحقيق تطلعات المواطن والوطن المشروعة وتسمح بعودة النظام السابق من الشباك بعد طرده من الباب.
وما يقلقنا الان هو وجود نقص خطير في مصر وتونس حيث لاتوجد مقاومة مسلحة ولا توجد قوة شعبية كبيرة ومنظمة ومجربة وقادرة على السيطرة على توجهات الانتفاضة بل توجد حركة شبابية عفوية وبسيطة الخبرة وبلا تنظيم شعبي او عسكري يدعمها، بالاضافة لتكتلات نخبوية وطنية وغير جماهيرية متنافرة لا تملك الحد الادنى من القدرة على الامساك بالسلطة والسيطرة عليها في لحظات الحسم.
وثمة امر اخر يقلق ايضا وهو انه يوجد في مصر تنظيم (ديني) قوي هو (الاخوان المسلمون)، وهم (اخوة) الحزب الاسلامي العراقي ايديولوجيا وتنظيميا، وعليه اعتراضات كثيرة من الوطنيين المصريين نتيجة طابعه الطائفي الواضح من تسميته وتربيته ايديولوجية والسياسية خلال اكثر من نصف قرن، وهو طابع يساعد على شرذمة مصر طائفيا، خصوصا ان هناك تيار يكمله في تحقيق هدف الشرذمة هو العناصر القبطية الطائفية التي تحركها امريكا لاحداث فتنة طائفية في مصر طرفاها الاساسيان هما الاخوان المسلمين واقباط. وهذا القلق ليس بلا مسوغات فقط لنتذكر ان امريكا أخذت تلعب ورقة الاخوان المسلمين والتيارات الاسلاموية السنية والشيعية بوضوح منذ السبعينيات من القرن الماضي، كما فعلت في افغانستان وايران وقتها، وكما تفعل الان في العراق وغيره باستخدام الورقة الدينية لتقسيم الدول والمجتمعات العربية.
ومن مظاهر ذلك ان امريكا تريد مشاركة (الاخوان المسلمين) في السلطة الان، كما طالب اكثر من مسئول امريكي، وربما تريد استلامهم لها لاحقا ليس حبا بالاسلام بل لاجل التعجيل بزيادة شرذمة مصر طائفيا! في ضوء ما تقدم ونتيجة غياب القوة الوطنية المركزية المنظمة والموحدة والقادرة على الامساك بالامور فان تقرير طبيعة النظام في تونس ومصر لم يعد بيد الشباب الوطني المنتفض بل بيد قيادة القوات المسلحة وهي التي ستقرر شكل البديل وليس الحركة الشعبية الجبارة التي دعمت الشباب المنتفضين. وبما ان قيادة القوات المسلحة ليست نقية بل هي من تربية النظام ونتاج عمله لعقود واكثر ضباطها المتنفذين الان تخرج من دورات في امريكا وطبقت خطة افساد منظمة وهي منح كبار الضباط امتيازات مالية ضخمة افسدت بعضهم فان خيارهم في اقامة النظام البديل سيكون محكوما بماتقرره امريكا ومصالحهم معها، وليس عزل بن علي ومبارك الا مثال على ان ولاء الاغلبية من الضباط الكبار هو لمصالحهم وللتوجه الامريكي.
وهذا الواقع المصري والتونسي هو الذي جعل الادارات السياسية في امريكا واوربا تدعم الانتفاضة في تونس ومصر بلا خوف من توجهها نحو تحقيق اهداف تهدد المصالح الاستعمارية الامريكية غير المشروعة لسبب بسيط هو ان قادة الانتفاضتين في تونس ومصر لن يستطيعوا استلام السلطة رغم انهم كانوا السبب في اسقاط النظامين فيهما، وهذا الامر ينطبق على الجزائر وليبيا وغيرهما. واخيرا ثمة فكرة مضللة تقول بان الوصول الى السلطة ممكن عبر الانتخابات بعد نجاح الانتفاضة وهي فكرة خاطئة عمليا وواقعيا لانها جربت وثبت بان القوى الاستعمارية والصهيونية تملك اوراق قوة مالية واعلامية وسياسية تحدد نتائج الانتخابات سلفا. هذه هي الاسباب الرئيسة التي جعلت امريكا تريد ان تبدو (طاهرة) في مصر وتونس لانها تدرك ان الوضع مسيطر عليه ولن يخرج من بين يديها.
اما في العراق فعلى العكس هناك مقاومة مسلحة قوية جدا وقادرة على السيطرة على الوضع في حالة انسحاب الاحتلال، كما توجد قوى وطنية مركزية ومسيطرة ومنظمة وجماهيرية ومجربة لها قواعد شعبية وعسكرية ضخمة وتملك امكانيات انشاء سلطة وطنية قوية ومستقرة فورا وتستطيع خلال ساعات حسم الامور، ولذلك فان وظيفة ونتائج التظاهر في العراق هي غير وظيفة ونتائج التظاهر في اقطار عربية، ففي العراق الانتفاضة تعني اولا واخيرا تحرير العراق واستيلاء المقاومة والقوى الوطنية على السلطة وطرد الاحتلال وعملاءه واقامة سلطة وطنية قوية ومقتدرة، لذلك فان امريكا في العراق تكشف عن عهرها مرة اخرى وتؤكده بضرب المظاهرات الشعبية يوم 14/2 وما بعده ومنعها وقتل الكثير من المشاركين فيها ودعم الحكومة العميلة وتشجيعها على قتل المتظاهرين.
ان ما يرعب امريكا وايران هو امكانية اشتعال تظاهرات ملايينية في العراق يمكن ان تؤدي الى تقدم المقاومة المسلحة لدعم الانتفاضة الشعبية وحمايتها بقوتها العسكرية وطرد الحكومة العميلة وسيطرة المقاومة على السلطة فيوضع الاحتلال امام وضع شعبي متفجر يتابعه العالم عبر التلفاز ويجبر الاحتلال على التراجع وقبول الامر الواقع، فتقيم المقاومة وانصارها حكومة وحدة وطنية ثورية تختارها هي وليس قوات الاحتلال، او قيادة الجيش كما يحصل في مصر وتونس فخرج الامر من يد قادة الانتفاضة الشعبية الوطنية.
لقد كان الحل الامريكي – الايراني في العراق هو تشجيع قيام مظاهرات مسيطر عليها تقودها عناصر مخابراتية وتقتصر مطاليبها على تحسين الاوضاع دون اسقاط النظام من اجل احتواء الغضب الشعبي وتنفيسه ومنع الثورة الشعبية، ولكن حينما رفعت الجماهير شعارات اسقاط النظام فتحت قوات الحكومة العميلة والقوات الامريكية النار على المتظاهرين بلا رحمة وسقط شهداء كثر وجرحى بالمئات.
أمريكا بَنَت نفسها حتى أصبحت الدولة العظمى في مائتي عام، فلنفتح لها أبوابنا حتى نضمن لأنفسنا تقدُّمًا مماثلًا
 إلى هؤلاء أقول إن الظاهرة الأمريكية فريدة غير قابلة للتكرار، وأنها حدثت نتيجة لتضافر عدد من الظروف التي يستحيل أن تتجمع مرة أخرى في مكان آخر أو في زمان مختلف.
هذه الظروف التي لا تقبل التكرار، والتي جعلت من أمريكا «الدولة الأعظم» في العصر الحديث، هي:
    أولًا: أمريكا قارة تنتمي إلى العالم الجديد. وهذه في ذاتها حقيقة أساسية تحكَّمت في تحديد مركز أمريكا وسط دول العالم منذ البداية: فالعالم القديم كان قد استُهلك منذ ألوف السنين، ونضبت موارده عبر الحضارات التي تعاقبت عليه. أما أمريكا فكانت أرضًا بِكْرًا اكتُشفت منذ أقل من خمسة قرون، ولم يبدأ استغلالها الحقيقي إلا منذ ثلاثة قرون، وربما اثنين. وهي لم تكن أرضًا بِكْرًا فحسب، بل كانت قارة كاملة غنية بالموارد الطبيعية إلى حدٍّ مذهل، تجاورها قارة أخرى كاملة تُكوِّن «ساحتها الخلفية» وتخضع لاستغلالها خضوعًا مباشرًا. وفي هذا الصدد نستطيع تشبيه أمريكا بكنز هائل ظل مخفيًّا ألوف السنين، ينتظر صاحب الحظ السعيد الذي يعثر عليه، ولم يُكتشف إلا بعد أن كانت الكنوز المعروفة قد شبعت استهلاكًا.
    ولقد كان الوقت الذي اكتُشف فيه هذا الكنز الجبَّار وقتًا فريدًا بدوره، أعني عصر النهضة الأوروبية ومطلع العصر الحديث؛ ذلك العصر الذي بدأت فيه أوروبا تتطلَّع إلى السيطرة على الطبيعة عن طريق العلم والتكنولوجيا، والذي نادى فيه مفكروها وفلاسفتها الكبار بأن يصبح البشر «سادة الطبيعة ومُلَّاكها». وأن يكون العلم للسيطرة، «لا للمعرفة فحسب». في لحظة الطموح الفريدة هذه، وفي العصر الذي خرج فيه الأوروبيون من ظلام العصور الوسطى الطويل وتفتَّحت أمامهم آمال وتطلعات هائلة، وفي الفترة التي تخلَّص فيها الإنسان من عبودية الإقطاع، وانتقل إلى التحرُّر والطموح الرأسمالي وأتاحت له علومه الجديدة ومراجعته الجذرية لتنظيماته الاجتماعية إمكانات للتَّقدم بغير حدود، في هذه اللحظة بالذات، اكتُشفت أمريكا.
    وهكذا تضافرت عوامل فريدة في خلق الظاهرة الأمريكية: أرض مليئة بالخيرات التي لم تكد تمس، يهبط عليها فجأة مجموعة من البشر المنتمين إلى حضارة بلغت أوْج نهوضها وتفاؤلها، ويحملون معهم كل خبرات العالم القديم وتراثه العلمي والفكري، وطموح الإنسان الحديث إلى السيطرة على الطبيعة وتشكيل حياة جديدة لنفسه. وإذا كانت التقاليد الأوروبية قد وقفت عائقًا، إلى حدٍّ ما، في وجه هذا الطموح، فها هي ذي أرض جديدة لا حدود لاتِّساعها وإمكاناتها، تفتح أبوابها على مصراعيها أمام الإنسان الأوروبي وهي تبدو أمامه بلا تاريخ، ولا صاحب.
    ثانيًا: ولكن هل كانت هذه الأرض حقًّا بلا تاريخ، وبلا صاحب؟ من الحقائق التي يعرفها الجميع أن هذه الأرض كان يسكنها شعب مسالم، أدَّت به عزلته النائية وعدم اختلاطه بالحضارات الأخرى إلى التخلُّف عن بقية العالم في ميادين متعددة، ولكنه كان صاحب حضارة مزدهرة في مناطق معينة على الأقل: في المكسيك، وأمريكا الوسطى، وأجزاء من أمريكا الجنوبية، وخاصة بيرو.
    غير أن نقطة الضعف الكبرى في هذا الشعب كانت أدوات الحرب: فقد طوَّر الغرب الأوروبي أسلحته قبل الفترة التي غزا فيها الأرض الأمريكية، إلى مستوًى كان يتيح له بسهولة إبادة شعب لا يستخدم سوى أسلحة الصيد البسيطة. وكان هذا التفوق في التسلُّح، أي في صناعة القتل، هو العامل الأول لانتصار المستعمرين الأوروبيين على أصحاب الأرض الأصليين، ومن المؤكد أن أمريكا ظلت دائمًا تُدرك بوعي تام أهمية التفوق في التسلح، بدليل أنها ما زالت تفوق سائر بلاد العالم في هذا الميدان الرهيب، وما زالت صاحبة «الفضل» الأول في «تحسين» أدوات الفتك والإبادة، وفي تطوير أنواع وأجيال جديدة من الأسلحة، وإرغام العالم على مجاراتها في هذا الميدان اللاإنساني العقيم.
    ولسنا في حاجة إلى أن نشير إلى الأساليب البشعة التي استُخدمت في هذا التصادم بين حضارة طموح تستهدف التوسع بأحدث وسائل الدمار المعروفة عندئذٍ، وبين حضارة مسالمة معزولة لم تكن تعمل أي حساب لليوم الذي سيهبط عليها فيه هؤلاء الغرباء المتفوقون، بل لم تكن تتصوَّر أنهم موجودون أصلًا. ذلك لأن أفلام الهنود الحُمر، على ما فيها من تشويه وقلب للحقائق، كفيلة بإلقاء الضوء على عملية الإبادة الجماعية التي كان المستعمرون يمارسونها ضد كل من يقف في وجه توسُّعهم وامتداد نفوذهم — تلك الإبادة التي ما زالت تُؤرِّق ضمائر كثير من المؤرخين الأمريكيين المُنصفين حتى اليوم.
    لقد كان الهنود الحمر شعبًا أبيًّا، لا يقبل الذل، فقاوم بقدر ما يستطيع، وكانت نتيجة ذلك أن استأصله الأمريكيون من جذوره، ولم تبقَ منه إلا مجموعات قليلة تعيش في مستوطنات مُقفلة معزولة تُستغل في الأغلب لأغراض تجارية بوصفها مُتحفًا بشريًّا حيًّا.
    ولكني أود، قبل أن أترك هذا الموضوع أن أطرح على قارئي العربي سؤالًا: ألم تستنتج من هذا الوصف لموقف الأمريكيين من الهنود الحمر شيئًا؟ ألا يُذكِّرنا ذلك، إلى حدٍّ بعيد، بموقف الصهيونية من فلسطين؟ لقد كانت أمريكا بدورها، في نظر المستوطنين الأوروبيين الجدد، أرضًا بلا شعب، وكان الوافدون من جميع أرجاء أوروبا، الذين ضاقت بهم قارتهم القديمة أو ضاقوا بها، والذين كان منهم تجار مغامرون ورجال دين متزمِّتون وأفَّاقون وأرباب سجون ومجرمون هاربون؛ كان هؤلاء يعدُّون أنفسهم شعبًا بلا أرض.
    كان كل شيء في الأرض الجديدة ممهدًا أمام طموحهم وأهدافهم التوسُّعية، ولم تكن تعترضهم سوى عقبة «صغيرة» هي أن في هذه الأرض سكانًا ظلوا يعيشون فيها منذ ألوف السنين. إذن فلنتخلص منهم بسرعة، ولنحاول بعد ذلك أن نسدل ستارًا من الصمت والنسيان على تلك الحقيقة «الصغيرة» المزعجة، لا سيما وأن إنجازاتنا اللاحقة كفيلة بأن تُبرر في نظرنا، وفي نظر العالم، ما حدث في تلك المرحلة الأولى، المظلمة، من تاريخنا.
    لقد أردتُ أن أُجرِي هذه المقارنة حتى لا يشعر القارئ بالدهشة حين يجد أمريكا تُؤيِّد إسرائيل إلى هذا الحد الذي يبدو أحيانًا غير مفهوم. فإلى جانب المصالح المشتركة والسياسة الرسمية، هناك شيء في نفس المواطن الأمريكي يجعله مُتعاطفًا مع الحُجج الصهيونية؛ إذ يرى فيها ترديدًا لنفس الحُجج التي قامت عليها بلاده، والتي كان يستخدمها أجداده في إبادة الهنود الحمر. فهناك عنصر مشترك قوي بين التكوين العقلي والنفسي للإنسان الأمريكي والإنسان الصهيوني: هو الإيمان بأن الأرض ينبغي أن تنتمي إلى من يعرف كيف يستغلها إلى أقصى حدٍّ، أما صاحبها الأصلي فليذهب إلى الجحيم، وهو أيضًا الالتجاء إلى القوة الغاشمة في سبيل إقرار حق الاستغلال، واستخدام التبريرات المعنوية في وقت لاحق، بعد أن تكون القوة المباشرة قد فرضت أمرًا واقعًا، وهو الاعتقاد بأن ما ينتمي إلى حضارة أكثر تقدُّمًا، بالمعنى المادي البحت للكلمة، من حقه أن يعيش على حساب المُتخلِّفين أو حتى فوق جثثهم. صحيح أن الفرق بين الصهيوني والفلسطيني من حيث القدرة على استغلال الأرض، ومن حيث التقدم الحضاري بوجه عام، لا يُقارن بالفرق بين الأمريكي المُستوطِن والهندي الأحمر، بل إن التمييز — في الحالة الأولى — يمكن ألا يكون قائمًا على أي أساس، ولكن ليس هذا هو لُب الموضوع، وإنما المهم هو أن الحُجج التي تقدمها الأيديولوجية الصهيونية إلى العالم، والتي تجد صدًى خاصًّا في نفوس الأمريكيين، ترتكز على فكرة التفوق الحضاري والقدرة على الانتفاع من موارد الأرض، إلى أقصى حدٍّ، وعلى الإقلال من شأن «السكان الأصليين» والدعوة إلى نسيان وجودهم.
    أليس من المعقول، والحال هذه، أن تكون الصهيونية قادرة على الضرب على وتر حسَّاس لدى المواطن الأمريكي العادي، وأن يكون «الضمير الأمريكي» على أتم استعداد للتوافق مع العقلية الصهيونية؟ أيستطيع الأمريكي العادي أن يقول للصهاينة: «ولكن الأرض ليست أرضكم، بل كان فيها شعب يمتلكها من عشرات القرون»؟ أيستطيع أن يقول ذلك دون أن يكون قد أدان نفسه في الوقت ذاته؟
    ثالثًا: ولأنتقل — بعد هذا الاستطراد، الذي هو مع ذلك ضروري بالنسبة إلى هدف بحثنا هذا — إلى العامل الثالث الذي أتاح لأمريكا أن تبلغ ما بلغته، والذي يجعل من أمريكا ظاهرة فريدة غير قابلة للتكرار. هذا العامل هو نظام الرِّقِّ، الذي تفشَّى في أمريكا على أوسع نطاق في نفس الفترة التي كان فيها المستوطنون يبنون مجتمعهم الجديد، والذي أسهم بنصيب هائل في إثراء هذا المجتمع.
    ولستُ في حاجة إلى أن أُذَكِّر القارئ ببشاعة الأساليب التي كان يلجأ إليها تجار الرقيق لجلب آدميين مسالمين من مواطنهم الأصلية في أفريقيا لكي يُعاملوا معاملة أسوأ من معاملة الحيوانات في البلد الجديد، في نفس الوقت الذي كان فيه هذا البلد يُقدِّم إلى العالم «وثيقة حقوق الإنسان» — الأبيض بالطبع — ذلك لأن القصة أصبحت الآن معروفة، في أغلب بلدان العالم العربي، بفضل عمل من أروع الأعمال الفنية التثقيفية الهادفة، وهو مسلسل «الجذور» التلفزيوني.
    ولكن الذي يهمنا في هذا السياق هو أن نُشير إلى أن استغلال عمل ملايين العبيد الأشدَّاء، طوال أجيال كثيرة، بلا أي مقابل، كان لابد أن يُسهم بدور عظيم الأهمية في تحقيق نهوض اقتصادي سريع في هذا البلد. لقد كان الجنوب الزراعي كله، والشمال إلى حدٍّ ما في البداية، يعتمد على قوة عمل العبيد المجانية، فإذا ما تساءل شخص: كيف أحرز النظام الرأسمالي هذا النجاح السريع في أمريكا؟ كان من الواجب أن نرد عليه بما قاله أحد المفكرين الأمريكيين المستنيرين وهو يتحدث عن أثر استغلال عمل الزنوج في الاقتصاد الأمريكي: إذا كان لديك تاجران متنافسان، يعمل لدى أحدهما عمَّال لا يتقاضون أجرًا طوال حياتهم، على حين أن الآخر يدفع لعمَّاله أجورهم بانتظام، فأيهما تكون فرصته أكبر في الربح وفي توسيع أعماله؟
    رابعًا: كان موقع أمريكا المنعزل، الذي يفصله عن بقية العالم محيطان شاسعان، من أكبر عوامل تقدمها. ذلك لأن الحروب المتوالية قد مزَّقت سائر البلدان المتقدمة أو المؤهَّلة للتقدم في أوروبا وآسيا، على حين أنها تركت أمريكا سليمة لم تمس. وعلى كل من يُقارن بين المستوى الأمريكي المرتفع وبين بقية دول العالم أن يسأل نفسه: ماذا لو كانت أمريكا قد أُلقيت عليها قنابل ذرية كاليابان، أو استُنفدت مواردها المادية والبشرية في حروب القرن التاسع عشر وفي الحربين العالميتين الرهيبتين في القرن العشرين كألمانيا وإنجلترا وفرنسا؟ ماذا لو كانت أخصب أراضيها قد أُحرِقت، وأعظم مدنها قد دُمِّرت، وثلاثون مليونًا من سكانها قد قُتِلوا، كما حدث للاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية وحدها؟
    طوال تلك الحروب كانت أمريكا آمنة من كل ضرر: فلم تسقط على أرضها قنبلة واحدة، ولم يُهدم فيها بيت واحد (إذا استثنينا حربًا واحدة في أواسط القرن الماضي، وتلك كانت حربًا أهلية بين الشمال والجنوب الأمريكيين)، ولم تجد ما يدعوها حتى إلى إطفاء الأنوار، على سبيل التحوُّط، طوال الحرب العالمية الثانية.
    بل إن أمريكا لم تسلم من أضرار الحروب فحسب، وإنما كانت الحروب بالنسبة إليها مصدرًا هائلًا للربح، وقوة دافعة ضخمة لاقتصادها. ففي الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يقتتلون بضراوة، كانت كل معركة جديدة، وكل دماء جديدة تسيل، تعني مزيدًا من الربح لمصانع الأسلحة الأمريكية، ووراء مصانع الأسلحة تأتي مئات الصناعات المساعدة والمساندة، وتعني مزيدًا من فُرص العمل للعمال ومزيدًا من التوسُّع والازدهار لأصحاب الأعمال. وأقرب مثل إلينا ذلك الاختلال الذي طرأ على بِنية الاقتصاد الأمريكي كله بعد انتهاء حرب فيتنام — وهي حرب محدودة، بالقياس إلى الحروب العالمية.
    وهكذا لم يكن موقع أمريكا البعيد، المنعزل، مصدر تأمين لها من ويلات الحرب فحسب، بل أتاح لها أن تحوِّل الحروب التي تدمر الآخرين إلى رصيد إيجابي يزيد من قوتها ويُضاعف ثراءها.
    ما الذي نستدل عليه من هذا كله؟ لقد كانت القضية التي نودُّ إثباتها، في هذا الجزء، هي أن أمريكا ظاهرة فريدة لا تتكرر، وأن مجموعة العوامل التي تضافرت لكي تجعل أمريكا أقوى وأغنى دولة في العالم كانت بالفعل عوامل لم يُتَح مثلها لأي بلد آخر. ومن هنا فإن المقارنة بين أمريكا وبين أي بلد آخر، إذا كانت تأتي دائمًا لصالح الأولى، فإن ذلك يرجع أساسًا إلى أن الظروف خدمت أمريكا على نحو يستحيل تحقُّقه في أية حالة أخرى.
    ونحن لا نعني بذلك أن الشعب الأمريكي قد وجد نفسه محظوظًا بفعل مجموعة من المصادفات التاريخية الفريدة التي قدَّمت إليه القوة والثروة على طبق من ذهب. فمن المؤكَّد أن هذا الشعب قد بذل جهودًا جبَّارة من أجل استثمار موارده. ولكن كانت هناك أيضًا شعوب أخرى تبذل جهودًا شاقة، دون أن تجني مقابلها ثمارًا معادلة؛ لأن مجموعة الظروف التي تحيط بها غير مواتية، ولأن الموارد التي تستغلها محدودة أو شحيحة، أما في حالة أمريكا فإن كل جهد يُبذل كان كفيلًا بتحقيق أعظم النتائج، لأن كل شيء كان متوافرًا.
    وتترتب على هذه القضية نتيجة في غاية الأهمية: هي أن أمريكا لا تصلح أصلًا لكي تكون «نموذجًا»؛ ذلك لأن من طبيعة الظاهرة الفريدة أن تحدث مرة واحدة، وألَّا تقبل المحاكاة. بل إنني سأفترض افتراضًا خياليًّا، فأقول إن أمريكا ذاتها لا تستطيع أن تُكرِّر نفسها. فلو فرضنا أن قارة مثل أمريكا قد اكتُشفت في مكان ما من العالم، في الظروف الراهنة، فإن من المستحيل أن يظهر فيها من جديد أقوى وأغنى مجتمع في العالم؛ لأن ظروف العالم الحالية لن تسمح لمستوطني هذه القارة بإبادة شعبها الأصلي بسهولة، ولن تسمح لهم بجلب ملايين العبيد واستغلال قوة عملهم بلا مقابل، لأن وجود نُظم اقتصادية وسياسية منافسة لن تُتيح لهم حرية الحركة والتوسع والامتداد التي كانت متوافرة لهم في القرنين الأولين من تاريخهم.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك