العراق اليوم

اهبطْ أيّها الغراب

مصدر الخبر / الصباح

أحمد عبد الحسين

يقال ـ ولست متأكداً من صحة ما يقال ـ إنَّ الغربان تزعج النسور بهذه الطريقة: يحطّ غراب على ظهر نسر، ينقر رقبته ويضايقه، من دون أن يستطيع النسر فعل شيء سوى الرفرفة بجناحيه الكبيرين بيأسٍ محاولاً إبعاد الغراب عنه دون جدوى.

ويقال ـ ولا أحد يستطيع أن يوقن بكلّ ما يقال ـ إنّ النسور عرفتْ أخيراً كيف تبعد الغربان عنها.

خبرة سلالات من النسور أوصلتها إلى أنَّ الغراب لا يقدر أن يحلّق عالياً، هناك مسافة إذا ارتفع لها الغراب انقطع تنفسه واضطرب وسقط بما يشبه الإغماء، ولذا صار النسر إذا سلّطت المقادير عليه غراباً يركب ظهره لإزعاجه، يرتفع شاهقاً إلى أقصى ما يستطيع، وفي لحظة ما من لحظات عروجه إلى الأزرق الكبير، يهبط الغراب ناجياً بريشه، أو يصرّ على إكمال لعبته في مضايقة النسر فيسقط مغشياً عليه إلى الأرض.

شخصياً، لا أعتقد أنَّ هذا الأمر صحيح.

لكنه مع ذلك أمثولة عظيمة.

الأمثولات الموحية لا يجب فيها صدقها وصحتها.

أمثولات السرديات الكبرى كلّها من هذا النوع.

مرة عاب عليّ معلق علمويٌّ استشهادي بقصة نوح، قال ضاحكاً باستهزاء: هل تؤمن بحكاية السفينة؟

آخر ضحك عليّ لأني أوردت قصة هابيل وقابيل باعتبارها الجريمة الأرضية الأولى، ووسمني بالعقل الخرافيّ؛ مع أنَّ مناط كون حكاية ما أمثولة قابلة للاستشهاد بها وقبولها كنائياً، أمرٌ لا يتعلق بالإيمان أو عدمه، بل بقدرة الحكاية على اختصار حكايتك الشخصية أنت.

يمكنني أن استشهد بكلام سيدوري لكلكامش من دون أن ينطّ عليّ رجل لديه فائضُ علمانية جذرية ليقول لي: يا ذا العقل الصغير.. أتؤمن بخرافة كلكامش؟

لكنْ إذا كانت الحكاية مستلّة من مدوّنة دينية فإنّ تلك الغدّة العلمانية تنتفخ سريعاً وتنفجر كالتالي: لم يجد علماء الآثار شيئاً يدلّ على وجود شخص اسمه إبراهيم.

علماء الجيولوجيا ينفون حدوث طوفان أغرق الأرض كلّها.

نظرية الانتخاب الطبيعيّ تجعل من آدم وزوجته وأبنيه القاتل والمقتول رماداً تذروه رياح العلم الهابّة بقوّة على وجه صاحبنا العلمويّ.

ما شأني بكل هذا؟

سواء كنتُ مؤمناً بحقيقة هذه الحكايات أو لم أكنْ كذلك، فإنها مفاتيح لأبواب مغلقة عندي، هي أشبه بالنماذج الكبرى من الأحلام المتكررة عند كارل غوستاف يونغ، أحتاجها بصرف النظر عن إيماني أو عدم إيماني بها.

أين كنّا؟

ها.. كنت أتحدث عن طريقة النسور في التخلص من الغربان.

هذه أمثولة في الحياة وفي الكتابة وفي التعامل مع الناس، في الواقع المعاش وفي الواقع الافتراضي، أمثولة تقول:

حلّقْ عالياً، حلّقْ بأقصى ما تستطيع.

أسقط الغراب مغشياً عليه لأنّ رئتيه لم تصمما لتحمّلِ هواء الأعالي، ابتعد بقدر ما تقدر جناحاك أن تحملاك.

عالياً

عالياً حيث لا غربان.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك