العراق اليوم

عن نخلة باسقة أتحدث

مصدر الخبر / الاخبار

كان الجو غائما، رطبا، واذكر ذلك اليوم تماما، في 24/ 10/ 1982. في تلك الأيام قرر (معم) ــ المكتب العسكري المركزي لقوات الأنصارــ وبسبب من اقتراب خطوط المعارك بين القوات الحكومية الإيرانية ومعارضيها من مواقع مقرات أنصار حزبنا، تفريغ مقر (ناوزنك) الحدودي. وكانت الأوضاع السياسية معقدة شيئا ما، وتقرر انتقال عدد كبير من الأنصار إلى مناطق ومواقع مختلفة، ومنها منطقة عمل الفوج التاسع في ريف السليمانية ، و…ها نحن مفرزة محدودة العدد من أنصار الفوج التاسع، من يومين وصلنا إلى ناوزنك بمهمة خاصة، وبالاتفاق مع (معم) فأننا في

عودتنا سنقوم بمصاحبة مجموعة من الرفاق تقرر انتقالهم إلى مناطق عمل الفوج التاسع، و…ها قد اصبحنا مفرزة كبيرة، مع عدة بغال مثقلة بالحمولة وعدد كبير من الرفاق والرفيقات، فيهم عدد غير قليل من كبار السن، والجميع على وشك عبور القنطرة عند فصيل الإدارة، وهي أخر نقطة في مقر ناوزنك، المتعدد المواقع، ووجهة المفرزة إلى موقع (بيتوش)، مقر الفوج  التاسع. كنت ما أزال (مشتبكا) بكل قواي مع الرفيق الراحل (محمود ديكتاريوف) المفوض باسم إدارة (معم) لتسهيل سفر المفرزة وتوفير احتياجاتها، وذلك من أجل انتزاع مبلغ آخر لمصاريف المفرزة أثناء الطريق، حين رن من أعلى سفح الجبل المقابل صوت ذو نكهة ريفية لا تخطئ، ولا يمكن لي نسيانها أبدا، مهما افترقنا ومهما تباعدنا. صوت له دفء السنابل وعذوبة الفرات ومذاق تمر (حلوة حاج عباس) : 

ـــ ها … أبن عطية؟
ومن غيرك يناديني باسم أمي طول كل هذه السنين؟ 
كنت ارافقه باستمرار إلى قريتهم الواقعة في ضواحي مدينتنا السماوة، كنا نصل إلى هناك بدراجاتنا الهوائية، إذ أن العديد من اجتماعاتنا ونشاطاتنا الطلابية كانت تعقد هناك، تحت أفياء النخيل وعرائش العنب. ومنذ الأيام الأولى لتعرفي على أفراد عائلته، أدركت انه منهم اكتسب طيبة القلب وكرم النفس، خاصة أمه الرائعة، التي تفرح وتسر لزياراتنا، وبطبعها الريفي صارت لا تسميني إلا واسمي متبوعا باسم أمي!
وأخذتها أنت بشطارة ومكر عن أمك! 
وها هو، في الجبل، بعد فراق طال سنينا يستخدم ذات النداء، وبذات العذوبة، بتلك اللهجة الريفية التي تبدو وكأنها لا تناسب أحدا غيره، لتضيف لجمال روحه جمال أخر. نزل من السفح جريا مثل ماعز بري، بقامته المستقيمة، الفارعة مثل نخلة عراقية باسقة، نشأ معها، ونما تحت ظلالها. واشتبكنا في عناق صاخب وحار، تفجرت فيه عواطفنا ودموعنا، مما أثار مشاعر الأنصار الذين راقبوا لقاءنا.
آه أيها العزيز قبل هذا اللقاء لم نلتق أنا وإياك منذ ربيع 1978 .
كانت المفرزة تواصل عبور القنطرة إلى الضفة الثانية، أصبح الجزء الأكبر منها على الطرف الأخر، سأل بحب:
ــ أين لحيتك؟
انه يذكرني بالأيام التي قضيناها متخفين في بغداد ومدن أخرى من الوطن، فخلال فترة 1978 ــ 1979، إذ راحت قطعان العفالقة تطاردنا من مدينة لمدينة، ومن شارع لشارع لإجبارنا على التخلي عن أفكارنا ومبادئنا، ولتنتزع منا أوراق (البراءة) أو أرواحنا، أيامها أطلقنا لحانا لإخفاء ملامحنا، لكن لحيتي كانت موضع تندره! في تلك الأيام، وفي شارع فرعي من منطقة (المربعة)، في بغداد، التقينا على موعد مسبق، كان عجلا وعلى موعد أخر، كان يود الحديث بأمور كثيرة، لكن الأوضاع لم تكن تسمح باللقاءات الشخصية الطويلة وكلانا كان مطارداً وتتعقبنا قطعان الأمن، كان جلاوزة الأمن من ذئاب بغداد ــ العاصمة، وذئاب مدينة طفولتنا وصبانا ــ السماوة، وذئاب مدينة دراستنا ــ البصرة، كلهم يتشممون آثارنا ويتعقبوننا، وأشيع انهم يحملون صورنا، وكان كعادته مباشرا جدا وواضحا، في عواطفه وفي قلقه على زملاء وأصدقاء مشتركين لنا:
ــ لا أريد أي تفاصيل، فقط أخبرني أن كنت تعرف، هل هم أحياء وبعيدون عن أيدي الجلادين؟
وثم بنفس الحرارة أضاف بوضوح:
ــ أحذر من فلان، اعتقلوه ليوم واحد فقط، وليس من تفاصيل عن موقفه، أتمنى انهم لم ينجحوا في كسره.
وقبل أن يتركني شد لحيتي الكثيفة.
ــ احلقها في أول فرصة، لا تناسبك!
واطلقتَ ضحكة. كنتُ ارغب في حديث أطول، لكنك تركتني في قلق ومضيت عجلا، مثل كل مرة. 
رفاق المفرزة عبر القنطرة ينادونني أن الحق بهم، فقال لي:
ــ الحق برفاقك.
قلتُ مازحا:
ــ لا يمكن أن يتركوني، فمصاريف المفرزة معي.
قلص عينيه السوداوين بحركة أعرفها، احتواني بين ذراعيه وشدني من كتفي بحرارة:
ــ الحق برفاقك، سألحق بك إلى هناك، ولأسر لك شيئا، ربما سأكون عندكم بعد فترة، هناك نية لانتقالي إلى منطقة عملكم، ساعتها سيكون لنا الوقت الكافي لنستعيد ذكرياتنا الحلوة.
تعانقنا بحرارة، وعبرت القنطرة عدوا وأنا أتلفت، وحتى لفني منعطف الطريق كنت أراه يقف مكانه، مستقيم العود مثل نخلة باسقة، ويلوح بيديه ويصيح بكلمات لم أستطع تمييزها.
كل مرة نلتقي على عجل ونفترق على عجل، وكل مرة كان لنا الأمل بأن نلتقي.
 من أين لي أن أعرف يا هاشم أن هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها؟
اتحدث عن الرفيق هاشم كاظم محمد، المعروف باسم أبو محمد. مواليد 1956، لعائلة فلاحية في ريف السماوة. طالب في كلية العلوم قسم الكيمياء جامعة البصرة. اضطر لمغادرة الوطن إثر الإرهاب البعثي عام 1978 ، دخل دورات عسكرية مع المقاومة الفلسطينية، وبرع في مجال العمل بالمتفجرات، في صفوف الأنصار وظف إمكاناته العسكرية والعلمية للمساهمة في تأسيس (هيئة المتفجرات) وليكون مسؤولا عنها، وصار يعرف بكنية (أبو محمد متفجرات) وكان مقرها في منطقة (بشت ئاشان) ولهذا السبب ألغيت فكرة انتقاله للعمل مع (التنظيم المدني)على ملاك تنظيم الفرات الأوسط، والمتواجدين أيامها في منطقة عمل الفوج التاسع في ريف السليمانية، وكنا نتبادل الأخبار بين الحين والأخر، حتى وصول تفاصيل أحداث جريمة بشت ئاشان في  أيار 1983. 
آه يا هاشم، لو تدري ما الذي حل بي ساعة قرأت قائمة أسماء شهداء المجزرة ووجدت اسمك هناك الى جانب أسماء أخرى حبيبة للقلب مثلك؟
عن طريق الشعب البغدادية عدد يوم الاحد 12 شباط 2023. مساهمة في ملف الشهيد الشيوعي.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

أضف تعليقـك