العراق اليوم

ملك الموت رفيق بالمؤمن شديد بالكافر

مصدر الخبر / وكالة نون

بقلم:حسن الهاشمي

 

الإنسان له جنبتان جنبة مادية وجنبة معنوية؛ فإذا غلبت الجنبة المادية مال الإنسان إلى طباع البهائم والسِبَاعْ لأنها تتحرك وفقا لغرائزها المادية، وإذا غلب على الإنسان الجنبة العقلية المعنوية الملائكية عرج إلى عنان السماء؛ إذاً أنت أعرف بنفسك فانظر إلى اهتماماتك اليومية، فإن غلب عليها اهتمامات تخص البدن من أكل وشرب واستحمام إلى آخره فاعلم أنك صاحب نفس أرضية ملكية لا ملكوتية، وإن غلب عليك الجانب المعنوي وحب الله والأنس بالله والتقرب إلى أولياء الله وذكر الله فاعلم أنك صاحب نفسٍ ملكوتية، كل إنسان يعرف اهتماماته.

تجد بعض الناس عنده اهتمامات مادية تجده مشغولا ببيته وهندسته وعمارته؛ تجد بعض الناس عنده اهتمام بسيارته، كل همه وكل شغله اقتناء سيارة آخر موديل، اثاث فاخر، صفقات مربحة، تجد بعض الناس كل اهتمامه بموبايله إذا تأخذ منه الموبايل كأنما قد أخذت قلبه! تجد بعض الناس كل اهتمامه بزوجته، تجد بعض الناس كل اهتمامه بأولاده، هذا لا يعني أنه لا تهتم بالزوجة والأولاد والموبايل والبيت والسيارة: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ) الاعراف: 32. هذه الأمور قد أباحها الله تعالى ومن حق الانسان ان يتمتع بها، ولكن الكلام في كثرة الانشغال وقوة العلقة والتعلق بشؤون المادة، وإلا فالإنسان يحتاج إلى الشؤون المادية، وهي التي قد تعينه على تقوية الشؤون المعنوية كالإنفاق بنوعيه الواجب والمستحب، واداء مراسيم الحج، وانشاء المؤسسات الخيرية والثقافية وغيرها في مجالات البر والاحسان، فالممقوت في الروايات هو ان تكون اسيرا للمادة، لا ان تكون المادة طوع أمرك، الممقوت هو طول الأمل وليس نفس الأمل، الإنسان لا يعيش من دون أمل، أنت الآن إذا في هذه اللحظة تدرك أن ملك الموت سيقبض روحك، تتوقف عن الأمور المادية لا تدرك ولا تشتغل ولا تنام ولا تأكل، وتتوجه الى المعنويات من صلاة وخشوع وعبادة وتبتل، فالإنسان لا يعيش من دون أمل، والحالة المثلى في التعامل ازاء الأمر المادي والمعنوي كما قال الامام علي عليه السلام: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) وسائل الشيعة – الحر العاملي – ج ١٧ – ص ٧٦.

ولكن اذا تعارضت الجنبة المادية بالجنبة المعنوية، فالرجل الإلهي والإنسان الروحاني هو الذي يغلب عليه جنبته المعنوية، والإنسان المادي هو الذي تغلبه الجنبة المادية الجسدية، الإنسان الإلهي يعيش مع الناس، ولكنه دائم الأنس بالله تبارك وتعالى.

إذا سألك سائل ما هو أفضل الذكر؟ العلماء يقولون ان أفضل الذكر هو الذكر العملي والمراد بالذكر العملي أن تذكر الله ولا تعصيه في مقام العمل، وهو من أصعب الأمور، في عالم اليوم صعب الإنسان أن لا يعصي، صعب أن يفتح التلفاز وينظر إلى الأجنبية، يفتح الموبايل ينظر إلى كلام غير لائق، أو صور غير لائقة، يتكلم مع فلان بذيء الأخلاق والعقائد… إلى آخره؛ الرجل الإلهي هو الذي يراقب الله “عزَّ وجل” في السر والعلن، هو الذي يحجب سمعه وبصره ولسانه عن المعصية، وأفضل الذكر هو الذكر العملي، يعني في مقام عملك اليومي لا تعصي الله أبداً، هذا أفضل من الذكر اللفظي، لأنك إذا تذكر الله عند المعاصي ولا تعصي، حينئذ تكون من المقربين العارفين لله تعالى حق معرفته، ذلك هو الفوز العظيم.

وأما الذكر اللفظي فأفضله وكما جاء في الروايات والآثار ـ الصلاة على محمد وآل محمد، لأن الصلاة على محمد وآل محمد تقربك إلى الله من جهة، وتدخل السرور على محمد وآل محمد من جهة أخرى؛ كما أن الصلاة على محمد وآل محمد تخرج من القلب النفاق، فالإنسان الذي يلهج بذكر الله في القول والعمل، في السر والعلن، ويواظب على ذلك، سيطرد جميع الخواطر الشيطانية من داخله ومن حوله؛ يقول العرفاء توجد درجات عند الإنسان ومنازل في سيره وسلوكه إلى الله تبارك وتعالى، ومن أرقى الدرجات درجة يصل فيها الإنسان السالك إلى مرحلة التحكم في الخواطر، فالمعصوم “عليه السلام” لا ترد إلى ذهنه خاطرة ذهنية فيها معصية لله تبارك وتعالى؛ والإنسان الطاهر والنزيه والإلهي لا يسمح أن تخطر إلى ذهنه فكرة سيئة أو عمل سيء فهذه درجة عظيمة، لا يتلقاها الا ذو حظ عظيم.

كيف يصل الانسان الى هذه المرتبة من التقوى وترجيح الجنبة المعنوية على المادية؟! يصل الى هذه المرتبة ريثما يكون متيقنا بوجود مراقبة الهية لكل ما يعمل ويقول منذ ولادته لحين وفاته، انه متيقن بوجود ملك عن يمينه وآخر عن شماله بصفة رقيب وعتيد، انهما الشاهدان اللذان لا يغيب عنهما شيء، يسجلان ما يبدر منه من اعمال وأقوال خيرها وشرها، كما في قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق: 18.

يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في هذا الاطار وفي تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) الأنعام: ٦١.

في هذه الآية توضيح أكثر لإحاطة علم الله بأعمال عباده وحفظها بكل دقة ليوم الحساب، بعد أن يسجلها مراقبون مرسلون لإحصاء أعمالهم: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة.

إن “القاهر” هو المتسلط الغالب المهيمن الذي لا تقف أمامه أية قوة، ويرى بعضهم هذه الكلمة تستعمل حيث يكون المقهور عاقلا، أما كلمة “الغالب” فليست فيها هذه الخصوصية، فهي عامة واسعة المعنى.

“حفظة” جمع “حافظ” وهم هنا الملائكة الموكلون بحفظ أعمال الناس، كما جاء في سورة الانفطار، الآيات 10 – 12: (وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَـٰفِظِینَ، كِرَاما كَـٰتِبِینَ، یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ).

ويرى بعض المفسرين أنهم لا يحفظون أعمال الإنسان، بل هم مأمورون بحفظ الإنسان نفسه من الحوادث والبلايا حتى يحين أجله المعين، ويعتبرون حتى إذا جاء أحدكم الموت بعد “حفظة” قرينة تدل على ذلك، كما يمكن اعتبار الآية (11) من سورة الرعد دليلا عليه كذلك: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ).

ولكن بالتدقيق في مجموع الآية التي نحن بصددها نتبين أن القصد من الحفظ هنا هو حفظ الأعمال، أما بشأن الملائكة الموكلين بحفظ الناس فسوف نشرحه بإذن الله عند تفسير سورة الرعد.

ثم يبين القرآن الكريم أن حفظ الأعمال يستمر حتى نهاية الأعمار وحلول الموت: حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا.

وتبين الآية في النهاية أن هؤلاء الملائكة لا يقصرون ولا يفرطون في مهمتهم، فلا يتقدمون لحظة ولا يتأخرون في موعد قبض الروح.

ويحتمل أيضا أن هذه الصفة ترتبط بالملائكة الذين يحفظون حساب أعمال البشر، فهم في حفظهم للحساب لا يصدر منهم أدنى تقصير أو قصور، والآية تركز على هذا القسم بالذات. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ٤ – ص ٣٢٠.

نرى في القرآن الكريم تارة ينسب الله تعالى نزع الأرواح الى نفسه وتارة ينسبها الى الملائكة، ألا يوجد ثمة تناقض بين النسبتين؟! يجيب الإمام علي (عليه السلام) عن هذا السؤال عند اجابته للزنديق الذي ادعى التناقض في القرآن -: ((الله يتوفى الأنفس حين موتها) وقوله: (يتوفاكم ملك الموت) و(توفته رسلنا) و(تتوفاهم الملائكة طيبين) و(الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون… فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولى قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتونه منسوب إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، وفعل ملك الموت فعل الله لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء) بحار الانوار للمجلسي: ٦ / ١٤٠ / ١.

اذن هناك ملائكة الرحمة تتوفى أنفس أهل الطاعة، وملائكة النقمة تتوفى أنفس أهل المعصية، فالأولى تنزع روح المؤمن بكل رفق ورحمة؛ لأنه اعتبر الدنيا دار ممر لا دار مقر، والثانية تنزع روح الكافر بكل جرأة وقسوة؛ لأنه اعتبر الدنيا دار مقر ليس له في الآخرة من نصيب، والموت حق سواء نزل بالمؤمن أو الكافر، فلا ينفع الميت الصراخ والعويل من قبل ذويه الا عمله الصالح، وكل من ارتضى بقضاء الله وقدره يحصل على الأجر والثواب، وكل من اعترض على قضاء الله وقدره سيتعرض لا محالة الى سخط الله تعالى وغضبه، هذا ما أوضحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما نظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار وقال له: (يا ملك الموت! ارفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال ملك الموت: طب نفسا وقر عينا، واعلم أني بكل مؤمن رفيق واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم فإذا صرخ صارخ من أهله قمت في الدار ومعي روحه فقلت: ما هذا الصارخ؟! والله ما ظلمناه، ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه من ذنب، وإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا، وإن تحزنوا وتسخطوا تأثموا وتؤزروا) كنز العمال للمتقي الهندي: 42810.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك